الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدلة على حجية القياس من السنة

[ ص: 590 ] [ الأدلة على حجية القياس من السنة ] وإذا عرفت الكلام على ما استدلوا به من الكتاب العزيز لإثبات القياس ، فاعلم أنهم قد استدلوا لإثباته من السنة بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فيما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي ، وغيرهم من حديث الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة قال : حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ قال : لما بعثه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى اليمن قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال أقضي بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد في كتاب الله ، قال : فبسنة رسول الله ، قال : فإن لم تجد في سنة رسول الله ، ولا في كتاب الله ؟ قال : أجتهد رأيي ولا آلو . قال : فضرب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - صدره ، وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله .

[ ص: 591 ] والكلام في إسناد هذا الحديث يطول ، وقد قيل : إنه مما تلقي بالقبول .

وأجيب عنه : بأن اجتهاد الرأي هو عبارة عن استفراغ الجهد في الطلب للحكم من النصوص الخفية .

ورد بأنه إنما قال : أجتهد رأيي بعد عدم وجوده لذلك الحكم في الكتاب والسنة ، وما دلت عليه النصوص الخفية لا يجوز أن يقال : إنه غير موجود في الكتاب والسنة .

وأجيب عن هذا الرد : بأن القياس عند القائلين به مفهوم من الكتاب والسنة ، فلا بد من حمل الاجتهاد في الرأي على ما عدا القياس فلا يكون الحديث حجة لإثباته ، [ ص: 592 ] واجتهاد الرأي كما يكون باستخراج الدليل من الكتاب والسنة ، ويكون بالتمسك بالبراءة الأصلية ، أو بأصالة الإباحة في الأشياء ، أو الحظر ، على اختلاف الأقوال في ذلك ، أو التمسك بالمصالح ، أو التمسك بالاحتياط .

وعلى تسليم دخول القياس في اجتهاد الرأي ، فليس المراد كل قياس ، بل المراد القياسات التي يسوغ العمل بها ، والرجوع إليها ، كالقياس الذي علته منصوصة ، والقياس الذي قطع فيه بنفي الفارق في الدليل الذي يدل على الأخذ بتلك القياسات المبنية على تلك المسالك التي ليس فيها إلا مجرد الخيالات المختلة ، والشبه الباطلة .

وأيضا فعلى التسليم لا دلالة للحديث إلا على العمل بالقياس في أيام النبوة; لأن الشريعة إذ ذاك لم تكمل ، فيمكن عدم وجدان الدليل في الكتاب والسنة ، وأما بعد أيام النبوة فقد كمل الشرع; لقوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه أهل الشرع ، إما بالنص على كل فرد فرد ، أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة .

ومما يؤيد ذلك قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء وقوله : ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين .

واستدلوا أيضا بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من القياسات ، كقوله : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه ؟ قالت : نعم . قال : فدين الله أحق أن يقضى .

وقوله لرجل سأله ، فقال : أيقضي أحدنا شهوته ، ويؤجر عليها ، فقال : أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر ، قال : نعم ، قال : فكذلك إذا وضعها في حلال ، كان له أجر .

[ ص: 593 ] وقال لمن أنكر ولده الذي جاءت به امرأته أسود : هل لك من إبل ؟ قال : نعم . قال : فما ألوانها ؟ قال : حمر . قال : فهل فيها من أورق ؟ قال : نعم . قال : فمن أين ؟ قال : لعله نزعه عرق ، قال : وهذا لعله نزعه عرق .

وقال لعمر ، وقد قبل امرأته وهو صائم : أرأيت لو تمضمضت بماء .

وقال : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .

وهذه الأحاديث ثابتة في دواوين الإسلام ، وقد وقع منه - صلى الله عليه وآله وسلم - قياسات كثيرة ، حتى صنف الناصح الحنبلي جزءا في أقيسته - صلى الله عليه وآله وسلم - .

يجاب عن ذلك : بأن هذه الأقيسة صادرة عن الشارع المعصوم ، الذي يقول الله [ ص: 594 ] سبحانه فيما جاءنا به عنه إن هو إلا وحي يوحى ويقول في وجوب اتباعه وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وذلك خارج عن محل النزاع ، فإن القياس الذي كلامنا فيه هو قياس من لم يثبت له العصمة ، ولا وجب اتباعه ، ولا كان كلامه وحيا ، بل من جهة نفسه الأمارة ، وبعقله المغلوب بالخطإ ، وقد قدمنا أنه قد وقع الاتفاق على قيام الحجة بالقياسات الصادرة عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - .

واستدلوا أيضا بإجماع الصحابة على القياس .

قال ابن عقيل الحنبلي : وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله ، وهو قطعي .

وقال الصفي الهندي : دليل الإجماع هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين .

وقال الرازي في المحصول : مسلك الإجماع هو الذي عول جمهور الأصوليين .

وقال ابن دقيق العيد : عندي أن المعتمد اشتهار العمل بالقياس في أقطار الأرض ، شرقا وغربا ، قرنا بعد قرن ، عند جمهور الأمة إلا عند شذوذ متأخرين .

قال : وهذا من أقوى الأدلة .

ويجاب عنه : بمنع ثبوت هذا الإجماع ، فإن المحتجين بذلك إنما جاءونا بروايات عن أفراد من الصحابة محصورين ، في غاية القلة ، فكيف يكون ذلك إجماعا لجميعهم ، مع تفرقهم في الأقطار ، واختلافهم في كثير من المسائل ، ورد بعضهم على بعض ، وإنكار بعضهم لما قاله البعض ، كما ذلك معروف .

وبيانه أنهم اختلفوا في الجد مع الإخوة على أقوال معروفة وأنكر بعضهم على [ ص: 595 ] بعض ( ما سلكه من القياس في ذلك ، وكذلك اختلفوا في مسألة الحرام على أقوال ، وأنكر بعضهم على بعض ) .

وكذلك اختلفوا في مسألة زوج ، وأم ، وإخوة لأم ، وإخوة لأب وأم ، وأنكر بعضهم على بعض .

وكذلك اختلفوا في مسألة الخلع .

وهكذا وقع الإنكار من جماعة من الصحابة على من عمل بالرأي منهم ، والقياس [ ص: 596 ] إن كان منه فظاهر ، وإن لم يكن منه فقد أنكره منهم من أنكره ، كما في هذه المسائل التي ذكرناها .

ولو سلمنا لكان ذلك الإجماع إنما هو على القياسات التي وقع النص على علتها ، والتي قطع فيها بنفي الفارق ، فما الدليل على أنهم قالوا بجميع أنواع القياس ، الذي اعتبره كثير من الأصوليين ، أثبتوه بمسالك تنقطع فيها أعناق الإبل ، وتسافر فيها الأذهان ، حتى تبلغ إلى ما ليس بشيء ، وتتغلغل فيها العقول ، حتى تأتي بما ليس من الشرع في ورد ولا صدر ، ولا من الشريعة السمحة السهلة ، في قبيل ولا دبير .

وقد صح عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : تركتكم على الواضحة ، ليلها كنهارها .

وجاءت نصوص الكتاب العزيز بما قدمنا من إكمال الدين ، وبما يفيد هذا المعنى ، ويصحح دلالته ويؤيد براهينه .

وإذا عرفت ما حررناه ، وتقرر لديك جميع ما قررناه; فاعلم أن القياس المأخوذ به هو ما وقع النص على علته ، وما قطع فيه بنفي الفارق ، وما كان من باب فحوى الخطاب ، أو لحن الخطاب ، على اصطلاح من يسمي ذلك قياسا ، وقد قدمنا أنه من مفهوم الموافقة .

ثم اعلم أن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياسا ، وإن كان منصوصا على علته ، أو مقطوعا فيه بنفي الفارق ، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولا عليه بدليل الأصل ، مشمولا به ، مندرجا تحته ، وبهذا يهون عليك الخطب ويصغر عندك ما استعظموه ، ويقرب لديك ما بعدوه; لأن الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظيا ، وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به ، والعمل عليه ، واختلاف طريقة العمل لا يستلزم الاختلاف المعنوي ، لا عقلا ولا شرعا ولا عرفا ، وقد قدمنا لك أن ما جاءوا به من الأدلة العقلية لا تقوم الحجة بشيء منها ، ولا تستحق تطويل ذيول البحث بذكرها .

[ ص: 597 ] وبيان ذلك أن أنهض ما قالوه في ذلك : أن النصوص لا تفي بالأحكام ، فإنها متناهية ، والحوادث غير متناهية .

ويجاب عن هذا : بما قدمنا من إخباره - عز وجل - لهذه الأمة بأنه قد أكمل لها دينها ، وبما أخبرها رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، من أنه قد تركها على الواضحة التي ليلها كنهارها .

ثم لا يخفى على ذي لب صحيح ، وفهم صالح أن في عمومات الكتاب والسنة ، ومطلقاتهما ، وخصوص نصوصهما ما يفي بكل حادثة تحدث ، ويقوم ببيان كل نازلة تنزل ، عرف ذلك من عرفه ، وجهله من جهله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث