الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        معلومات الكتاب

                        إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

                        الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

                        صفحة جزء
                        البحث الثالث

                        شرع من قبلنا

                        وفي ذلك مسألتان

                        ( المسألة الأولى )

                        هل كان نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - قبل البعثة متعبدا بشرع أم لا ؟ وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب :

                        فقيل : إنه - صلى الله عليه وآله وسلم - كان متعبدا قبل البعثة بشريعة آدم ; لأنها أول الشرائع .

                        وقيل : بشريعة نوح ; لقوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا .

                        وقيل : بشريعة إبراهيم ; لقوله تعالى : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي وقوله تعالى : أن اتبع ملة إبراهيم .

                        قال الواحدي : وهذا هو الصحيح .

                        قال ابن القشيري في المرشد : وعزى إلى الشافعي .

                        قال الأستاذ أبو منصور : وبه نقول ، وحكاه صاحب المصادر عن أكثر أصحاب أبي [ ص: 684 ] حنيفة ، وإليه أشار أبو علي الجبائي .

                        وقيل : كان متعبدا بشريعة موسى .

                        وقيل : بشريعة عيسى ; لأنه أقرب الأنبياء ; ولأنه الناسخ لما قبله من الشرائع ، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني كما حكاه عنه الواحدي .

                        وقيل : كان على شرع من الشرائع ، ولا يقال : كان من أمة نبي من الأنبياء ، أو على شرعه .

                        قال ابن القشيري في المرشد : وإليه كان يميل الأستاذ أبو إسحاق .

                        وقيل : كان متعبدا بشريعة كل من قبله من الأنبياء ، إلا ما نسخ منها واندرس ، حكاه صاحب الملخص . وقيل : كان متعبدا بشرع ، ولكن لا ندري بشرع من تعبده الله ، حكاه ابن القشيري .

                        وقيل : لم يكن قبل البعثة متعبدا بشرع ، حكاه في المنخول عن إجماع المعتزلة .

                        قال القاضي في مختصر التقريب وابن القشيري : هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين ، قال جمهورهم : إن ذلك محال عقلا ; إذ لو تعبد باتباع أحد لكان غضا من نبوته .

                        وقال بعضهم : بل كان على شريعة العقل .

                        قال ابن القشيري وهذا باطل ; إذ ليس للعقل شريعة ، ورجح هذا المذهب ، أعني عدم التعبد بشرع قبل البعثة القاضي ، وقال : هذا ما نرتضيه وننصره ; لأنه لو كان على دين لنقل ولذكره - صلى الله عليه وسلم - إذ لا يظن به الكتمان .

                        وعارض ذلك إمام الحرمين وقال : لو لم يكن على دين أصلا لنقل ، فإن ذلك أبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي .

                        قال : فقد تعارض الأمران .

                        والوجه أن يقال : كانت العادة انخرقت في أمور الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - [ ص: 685 ] بانصراف همم الناس عن أمر دينه ، والبحث عنه ، ولا يخفى ما في هذه المعارضة من الضعف وسقوط ما رتبه عليها .

                        وقيل : بالوقف ، وبه قال إمام الحرمين ، وابن القشيري ، وإلكيا ، والغزالي ، والآمدي ، والشريف المرتضى ، واختاره النووي في الروضة ، قالوا : إذ ليس فيه دلالة عقل ، ولا ثبت فيه نص ، ولا إجماع .

                        قال ابن القشيري في المرشد بعد حكاية الاختلاف في ذلك : وكل هذه أقوال متعارضة ، وليس فيها دلالة قاطعة ، والعقل يجوز ذلك ، لكن أين السمع فيه انتهى .

                        قال إمام الحرمين : هذه المسألة لا تظهر لها فائدة ، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة ; ووافقه المازري ، والماوردي ، وغيرهما ، وهذا صحيح ، فإنه لا يتعلق بذلك فائدة ، باعتبار هذه الأمة ، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تعبد بها ، وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته .

                        وأقرب هذه الأقوال ، قول من قال : إنه كان متعبدا بشريعة إبراهيم - عليه السلام - فقد كان - صلى الله عليه وآله وسلم - ، كثير البحث عنها ، عاملا بما بلغ إليه منها ، كما يعرف ذلك من كتب السير ، وكما تفيده الآيات القرآنية ، من أمره - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد البعثة باتباع تلك الملة ، فإن ذلك يشعر بمزيد خصوصية لها ، فلو قدرنا أنه كان على شريعة قبل البعثة لم يكن إلا عليها .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية