الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في شبهات متفرقة في أحكام الأفعال

الفصل الثاني : في شبهات متفرقة في أحكام الأفعال

الأولى : قال قائل : إذا نقل إلينا فعله عليه السلام فما الذي يجب على المجتهد أن يبحث عنه ، وما الذي يستحب ؟ قلنا : لا يجب إلا أمر واحد ، وهو البحث عنه هل ورد بيانا لخطاب عام أو تنفيذا لحكم

لازم عام ، فيجب علينا اتباعه ، أو ليس كذلك ، فيكون قاصرا عليه ، فإن لم يقم دليل على كونه بيانا لحكم عام فالبحث عن كونه ندبا في حقه أو واجبا أو مباحا أو محظورا أو قضاء أو أداء موسعا أو مضيقا ، لا يجب بل هو زيادة درجة ، وفضل في العلم يستحب

. للعالم أن يعرفه .

فإن قيل : كم أصناف ما يحتاج إلى البيان سوى الفعل ؟ قلنا : ما يتطرق إليه احتمال ، كالمجمل ، والمجاز ، والمنقول عن وضعه ، والمنقول بتصرف الشرع ، والعام المحتمل للخصوص ، والظاهر المحتمل للتأويل ، ونسخ الحكم بعد استقراره ، ومعنى قول افعل أنه للندب أو الوجوب أو أنه على الفور أو التراخي أو أنه للتكرار أو المرة الواحدة ، والجمل المعطوفة إذا أعقبت باستثناء ، وما يجري مجراه مما يتعارض فيه الاحتمال ، والفعل من جملة ذلك . فإن قيل : فإن بين لنا بفعله ندبا فهل يكون فعله واجبا قلنا : نعم هو من حيث إنه بيان واجب ; لأنه تبليغ للشرع ، ومن حيث إنه فعل ندب ، وذهب بعض القدرية إلى أن بيان الواجب واجب ، وبيان الندب ندب ، وبيان المباح مباح ، ويلزم على ذلك أن يكون بيان المحظور محظورا ، فإذا كان بيان المحظور واجبا فلم لا يكون بيان الندب واجبا ؟ وكذلك بيان المباح ، وهي أحكام الله تعالى على عباده ، والرسول مأمور بالتبليغ [ ص: 278 ]

وبيانه بالقول أو الفعل ، وهو مخير بينهما ، فإذا أتى بالفعل فقد أتى بإحدى خصلتي الواجب ، فيكون فعله واقعا عن الواجب . فإن قيل : ، وبم يعرف كون فعله بيانا ؟ قلنا : إما بصريح قوله ، وهو ظاهر أو بقرائن ، وهي كثيرة

إحداها : أن يرد خطاب مجمل ، ولم يبينه بقوله إلى وقت الحاجة ثم فعل عند الحاجة ، والتنفيذ للحكم فعلا صالحا للبيان فيعلم أنه بيان ، إذ لو لم يكن لكان مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة ، وذلك محال عقلا عند قوم ، وسمعا عند آخرين ، وكونه غير واقع متفق عليه ، لكن كون الفعل متعينا للبيان يظهر للصحابة إذ قد علموا عدم البيان بالقول ، أما نحن ، فيجوز أن يكون قد بين بالقول ، ولم يبلغنا ، فيكون الظاهر عندنا أن الفعل بيان ; فقطع يد السارق من الكوع ، وتيممه إلى المرفقين بيان لقوله عز وجل : { فاقطعوا أيديهما } ولقوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم ، وأيديكم } .

الثانية : أن ينقل فعل غير مفصل كمسحه رأسه ، وأذنيه من غير تعرض لكونهما مسحا بماء واحد أو بماء جديد ثم ينقل أنه أخذ لأذنيه ماء جديدا ، فهذا في الظاهر يزيل الاحتمال عن الأول ، ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد ، وأن المستحب ماء جديد ، فيكون أحد الفعلين على الأقل ، والثاني على الأكمل .

الثالثة : أن يترك ما لزمه ، فيكون بيانا لكونه منسوخا في حقه أما في حق غيره فلا يثبت النسخ إلا ببيان الاشتراك في الحكم ، نعم لو ترك غيره بين يديه فلم ينكر مع معرفته ، فيدل على النسخ في حق الغير .

الرابعة : أنه إذا أتي بسارق ثمر أو ما دون النصاب فلم يقطع ، فيدل على تخصيص الآية ; لكن هذا بشرط أن يعلم انتقاء شبهة أخرى تدرأ القطع ; لأنه لو أتي بسارق سيف فلم يقطعه فلا يتبين لنا سقوط القطع في السيف ، ولا في الحديد لكن يبحث عن سببه ، فكذلك الثمر ، وما دون النصاب ، وكذلك تركه القنوت ، والتسمية ، والتشهد الأول مرة واحدة لا يدل على النسخ إذ يحمل على نسيان أو على بيان جواز ترك السنة ، وإن ترك مرات دل على عدم الوجوب ، وكذلك لو ترك الفخذ مكشوفا دل على أنه ليس من العورة .

الخامسة : إذا فعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبا لأفسد الصلاة دل على الوجوب ، كزيادة ركوع في الخسوف ، وكحمل أمامة في الصلاة يدل على أن الفعل القليل لا يبطل ، وأنه فعل قليل ، هذا مع قوله : { صلوا كما رأيتموني أصلي } يكون بيانا في حقنا .

السادسة : إذا أمر الله تعالى بالصلاة ، وأخذ الجزية ، والزكاة مجملا ثم أنشأ الصلاة ، وابتدأ بأخذ الجزية ، فيظهر كونه بيانا ، وتنفيذا ، لكن إن لم تكن الحاجة متنجزة بحيث يجوز تأخير البيان فلا يتعين لكونه بيانا بل يحتمل أن يكون فعلا أمر به خاصة في ذلك الوقت ، فإذا لا يصير بيانا للحكم العام إلا بقرينة أخرى .

السابعة : أخذه مالا ممن فعل فعلا أو إيقاعه ضربا أو نوع عقوبة فإنه له خاصة ما لم ينبه على أن من فعل ذلك الفعل فعليه مثل ذلك المال فإنه لا يمتنع ; لأنه ، وإن تقدم ذلك [ ص: 279 ] الفعل فلا يتعين لكونه موجب أخذ المال ، وأنه لا يمتنع وجود سبب آخر هو المقتضي للمال وللعقوبة . أما قضاؤه على من فعل فعلا بعقوبة أو مال ، كقضائه على الأعرابي بإعتاق رقبة ، فإنه يدل على أنه موجب ذلك الفعل ; لأن الراوي لا يقول قضي على فلان بكذا لما فعل كذا إلا بعد معرفته بالقرينة . فإن قيل : فإذا فعل فعلا ، وكان بيانا ، ووقع في زمان ، ومكان ، وعلى هيئة ، فهل يتبع الزمان ، والمكان ، والهيئة ؟ فيقال : أما الهيئة ، والكيفية فنعم ، وأما الزمان ، والمكان فهو كتغيم السماء وصحوها ، ولا مدخل له في الأحكام ، إلا أن يكون الزمان ، والمكان لائقا به بدليل دل عليه ، كاختصاص الحج بعرفات ، والبيت ، واختصاص الصلوات بأوقات ; لأنه لو اتبع المكان للزم مراعاة تلك الرواية بعينها ، ووجب مراعاة ذلك الوقت ، وقد انقضى ، ولا يمكن إعادته ، وما بعده من الأوقات ليس مثلا ، فيجب إعادة الفعل في الزمان الماضي ، وهو محال ، وقد قال قوم : إن تكرر فعله في مكان واحد ، وزمان واحد دل على الاختصاص ، وإلا فلا ، وهو فاسد لما سبق ذكره . فإن قيل : إن كان فعله بيانا فتقريره على الفعل ، وسكوته عليه ، وتركه الإنكار ، واستبشاره بالفعل أو مدحه له ، هل يدل على الجواز ، وهل يكون بيانا ؟ قلنا : نعم ، سكوته مع المعرفة ، وتركه الإنكار دليل على الجواز ، إذ لا يجوز له ترك الإنكار لو كان حراما ، ولا يجوز له الاستبشار بالباطل ، فيكون دليلا على الجواز كما نقل في قاعدة القيافة ، وإنما تسقط دلالته عند من يحمل ذلك على المعصية ، ويجوز عليه الصغيرة ، ونحن نعلم اتفاق الصحابة على إنكار ذلك ، وإحالته . فإن قيل : لعله منع من الإنكار مانع كعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلذلك فعله ، أو بلغه الإنكار مرة فلم ينجع فيه فلم يعاوده . قلنا : ليس هذا مانعا ; لأن من لم يبلغه التحريم ، فيلزمه تبليغه ، ونهيه حتى لا يعود ، ومن بلغه ، ولم ينجع فيه ، فيلزمه إعادته ، وتكراره كي لا يتوهم نسخ التحريم . فإن قيل : فلم لم يجب عليه أن يطوف صبيحة كل سبت ، وأحد على اليهود ، والنصارى إذا اجتمعوا في كنائسهم ، وبيعهم ؟ قلنا : ; لأنه علم أنهم مصرون مع تبليغه ، وعلم الخلق أنه مصر على تكفيرهم دائما ، فلم يكن ذلك مما يوهم النسخ ، بخلاف فعل يجري بين يديه مرة واحدة أو مرات فإن السكوت عنه يوهم النسخ

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث