الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

البحث الأول في التلازم

وهو أربعة أقسام :

لأن التلازم إنما يكون بين حكمين ، وكل واحد منهما إما مثبت أو منفي ، وحاصله إذا كان تلازم تساو ، فثبوت كل يستلزم ثبوت الآخر ، ونفيه نفيه ، وإن كان مطلق اللزوم ; فثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم ، من غير عكس ، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم ، من غير عكس ، ( وأنه إذا كان بين الشيئين انفصال حقيقي فثبوت كل يستلزم نفي الآخر ، ونفيه ثبوته ، وإن كان منع جمع ، فثبوت كل يستلزم نفي الآخر من غير عكس ، وإن كان منع خلو فنفي كل يستلزم ثبوت الآخر من غير عكس ) .

[ ص: 678 ] وخلاصة هذا البحث ترجع إلى الاستدلال بالأقيسة الاستثنائية ، والاقترانية .

قال الآمدي : ومن أنواع الاستدلال قولهم : وجد السبب والمانع أو فقد الشرط .

ومنها : انتفاء الحكم ، لانتفاء مدركه .

ومنها : الدليل المؤلف من أقوال ، يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر . ثم قسمه إلى الاقتراني ، والاستثنائي ، وذكر الأشكال الأربعة وشروطها ، وضروبها انتهى .

فليرجع في هذا البحث إلى ذلك الفن .

وإذا كان هذا لا يجري إلا فيما فيه تلازم ، أو تناف ، فالتلازم إما أن يكون طردا أو عكسا ، أي في الطرفين ، أو طردا لا عكسا ، أي من طرف واحد ، والتنافي لا بد أن يكون من الطرفين ، لكنه إما أن يكون طردا وعكسا ، أي إثباتا ونفيا ، وإما طردا فقط ، أي إثباتا ، وإما عكسا فقط ، أي نفيا .

( الأول ) : المتلازمان طردا وعكسا ، وذلك كالجسم والتأليف ، إذ كل جسم مؤلف ، وكل مؤلف جسم ، وهذا يجري فيه التلازم بين الثبوتين ، وبين النفيين ، كلاهما طردا وعكسا ، كلما كان جسما كان مؤلفا ، وكلما كان مؤلفا كان جسما ، وكلما لم يكن مؤلفا لم يكن جسما ، وكلما لم يكن جسما لم يكن مؤلفا .

( الثاني ) : المتلازمان طردا فقط ، كالجسم والحدوث ، إذ كل جسم حادث ، ولا ينعكس في الجوهر الفرد ، فهذا يجري فيه التلازم بين الثبوتين طردا فيصدق ، كلما كان جسما كان حادثا ، لا عكسا ، فلا يصدق كلما كان حادثا كان جسما ، ويجري فيه التلازم بين النفيين ، عكسا ، فيصدق كلما لم يكن حادثا لم يكن جسما ، لا طردا ، فلا يصدق كلما لم يكن جسما لم يكن حادثا .

( الثالث ) : المتنافيان طردا وعكسا ، كالحدوث ووجوب البقاء ، فإنهما لا يجتمعان في ذات ، فتكون حادثة واجبة البقاء ، ولا يرتفعان ، فيكون قديما غير واجب البقاء ، فهذا يجري فيه التلازم بين الثبوت والنفي ، وبين النفي والثبوت ، طردا وعكسا ، أي من الطرفين فيصدق لو كان حادثا لم يجب بقاؤه ، ولو وجب بقاؤه لم يكن حادثا ، فلا يجب بقاؤه ، ولو لم يجب بقاؤه ، فلا يكون حادثا .

( الرابع ) : المتنافيان طردا لا عكسا ، إي إثباتا لا نفيا ، كالتأليف والقدم ، إذ لا يجتمعان ، فلا يوجد شيء هو مؤلف وقديم ، لكنهما قد يرتفعان كالجزء الذي لا [ ص: 679 ] يتجزأ ، وهذا يجري فيه التلازم بين الثبوت والنفي ، طردا وعكسا ، أي من الطرفين ، فيصدق كلما كان جسما ، لم يكن قديما ، وكلما كان قديما ( لم يكن جسما ، ولا يصدق كلما كان جسما لم يكن قديما ، وكلما كان قديما ) كان جسما .

( الخامس ) : المتنافيان عكسا ، أي نفيا ; كالأساس والخلل ، فإنهما لا يرتفعان فلا يوجد ما ليس له أساس ، ولا يختل ، وقد يجتمعان في كل ما له أساس قد يختل بوجه آخر ، وهذا يجري فيه تلازم النفي والإثبات ، طردا وعكسا ، فيصدق كل ما لم يكن له أساس ، فهو مختل ، وكل ما لم يكن مختلا فليس له أساس ، ولا يصدق كل ما كان له أساس فليس بمختل ، وكل ما كان مختلا فليس له أساس .

وما قدمنا عن الآمدي أن من أنواع الاستدلال قولهم : وجد السبب إلخ هو أحد الأقوال لأهل الأصول .

وقال بعضهم : إنه ليس بدليل ، وإنما هو دعوى دليل ، فهو بمثابة قولهم : وجد دليل الحكم ، فيوجد الحكم لا يكون دليلا ما لم يعين ، وإنما الدليل ما يستلزم المدلول . وقال بعضهم : هو دليل ; إذ لا معنى للدليل إلا ما يلزم من العلم به العلم بالمدلول .

والصواب القول الأول أنه استدلال ، لا دليل ، ولا مجرد دعوى .

واعلم أنه يرد على جميع أقسام التلازم من الاعتراضات السابقة جميع ما تقدم ، ما عدا الاعتراضات الواردة على نفس العلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث