الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المقدمة الثالثة : أن إلحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون ، والمقطوع به على مرتبتين :

إحداهما : أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به كقوله : { فلا تقل لهما أف } فإنه أفهم تحريم الضرب والشتم ، وكقوله عليه السلام : { أدوا الخيط والمخيط } فإنه أفهم تحريم الغلول في الغنيمة بكل قليل وكثير ، وكنهيه عن الضحية بالعوراء والعرجاء ، فإنه أفهم المنع من العمياء ومقطوعة الرجلين ، وكقوله : { العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء } فإن الجنون والإغماء والسكر وكل ما أزال العقل أولى به من النوم

وقد اختلفوا في تسمية هذا قياسا وتبعد تسميته قياسا ; لأنه لا يحتاج فيه إلى فكر واستنباط علة ، ولأن المسكوت عنه هاهنا كأنه أولى بالحكم من المنطوق به ، ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به . ولا مشاحة في الأسامي ، فمن كان عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة .

وهذا الجنس قد يلتحق بأذياله ما يشبهه من وجه ولكنه يفيد الظن دون العلم كقولهم : " إذا وجبت الكفارة في قتل الخطأ فبأن تجب في العمد أولى " ; لأن فيه ما في الخطأ وزيادة عدوان ، و " إذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى " ; لأن الكفر فسق وزيادة ، " وإذا أخذت الجزية من الكتابي فمن الوثني أولى " ; لأنه كافر مع زيادة جهل . وهذا يفيد الظن في حق بعض المجتهدين ، وليس من جنس الأول بل جنس الأول أن يقول " إذا قبلت شهادة اثنين فشهادة الثلاثة أولى " وهو مقطوع به ; لأنه وجد فيه الأول وزيادة

والعمياء عوراء مرتين ، ومقطوع الرجلين أعرج مرتين ، فأما العمد فيخالف الخطأ ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على محوه بخلاف الخطأ ، بل جنس الأول قولنا من واقع أهله في نهار رمضان فعليه الكفارة " فالزاني به أولى إذ وجد في الزنا إفساد الصوم بالوطء وزيادة ، ولم يوجد في العمد الخطأ وزيادة ، كذلك الوثني بدليل أنه لو وقع التصريح بالفرق بين هذه المسائل لم تنفر النفس عن قبوله ، ولو قيل تجزئ العمياء دون العوراء وتقبل شهادة اثنين ولا تقبل شهادة ثلاثة ، كان ذلك مما تنفر النفس عن قبوله ; وإنما نفرت النفس عن قبوله لما علم قطعا من أن منع العوراء لأجل نقصانها وقبول شهادة اثنين لظهور صدق الدعوى وتحريم التأفيف لإكرام الآباء ، فمع فهم هذه المعاني يتناقص الفرق ولم يفهم مثل ذلك [ ص: 306 ] من قتل الخطأ وشهادة الكافر وجزية الوثني .

المرتبة الثانية : ما يكون المسكوت عنه مثل المنطوق به ، ولا يكون أولى منه ولا هو دونه ، فيقال : إنه في معنى الأصل . وربما اختلفوا في تسميته قياسا ، ومثاله قوله { من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي } فإن الأمة في معناه ، قوله : { أيما رجل أفلس أو مات فصاحب المتاع أحق بمتاعه } فالمرأة في معناه ، وقوله تعالى : { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } فالعبد في معناها وقوله عليه السلام { من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع } فإن الجارية في معناه ، وقوله في موت الحيوان في السمن إنه { يراق المائع ، ويقور ما حوالي الجامد } فإن العسل لو كان جامدا في معناه .

وهذا جنس يرجع حاصله إلى العلم بأن الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق به لا مدخل له في التأثير في جنس ذلك الحكم ، وإنما يعرف أنه لا مدخل له في التأثير باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره في ذلك الجنس حتى يعلم أن حكم الرق والحرية ليس يختلف بذكورة وأنوثة ، كما لا يختلف بالبياض والسواد والطول والقصر والحسن والقبح فلا يجري هذا في جنس من الحكم تؤثر الذكورة فيه ، والأنوثة كولاية النكاح والقضاء والشهادة وأمثالها

وضابط هذا الجنس أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا ، فإن تطرق الاحتمال إلى قولنا " لا فارق إلا كذا بأن احتمل أن يكون ثم فارق آخر ، أو تطرق الاحتمال إلى قولنا " لا مدخل له في التأثير " بأن احتمل أن يكون له مدخل ، لم يكن هذا الإلحاق مقطوعا به بل ربما كان مظنونا ويتعلق بأذيال هذا الجنس ما هو مظنون كقولنا :

إنه لو أضاف العتق إلى عضو معين سرى ، فإنه إذا أضاف إلى النصف سرى ; لأنه بعض واليد بعض ، وهذا يغلب على ظن بعض المجتهدين ومساواة البعض المعين للبعض الشائع في هذا الحكم غير مقطوع به ; لأن هذا النوع من المفارقة لا يبعد أن يكون له مدخل في التأثير ومن هذا الجنس ما يتعلق بتنقيح مناط الحكم ، { كقوله للأعرابي الذي جامع امرأته في رمضان : أعتق رقبة } فإنا نعلم أن التركي والهندي في معنى العربي ، إذ علمنا أن ذلك لا مدخل له في الحكم ويعلم أن العبد في معنى الحر فيلزمه الصوم ; لأنه شاركه في وجوب الصوم ، ولا نرى الصبي في معناه ; لأنه لا يشاركه في اللزوم وللزوم مدخل في التأثير

وإن نظرنا إلى المحل فقد واقع أهله فيعلم أنه لو واقع مملوكته فهو في معناه ، بل لو زنى بامرأة فهو بالكفارة أولى أما اللواط وإتيان البهيمة والمرأة الميتة هل هو في معناه ؟ ربما يتردد فيه والأظهر أن اللواط في معناه .

وإن نظرنا إلى الصوم المجني عليه فقد جرى وقاع الأعرابي في يوم معين وشهر معين فيعلم أن سائر الأيام في ذلك الشهر وسائر شهور رمضان في معناه ، والقضاء والنذر ليس في معناه ; لأن حرمة رمضان أعظم فهتكها أفحش ، وللحرمة مدخل في جنس هذا الحكم وإن نظرنا إلى نفس هذا الفعل فهل يلتحق به الأكل والشرب وسائر المفطرات ؟ هذا في محل النظر ، إذ يحتمل أن يقال : إنما وجبت الكفارة لتفويت الصوم ، والوطء آلته كما يجب القصاص لتفويت الدم ثم السيف والسكين وسائر الآلات على وتيرة واحدة

ويحتمل أن يقال : الكفارة زجر ودواعي الوقاع لا [ ص: 307 ] تنخنس بمجرد وازع الدين فافتقر إلى كفارة زاجرة بخلاف داعية الأكل . وهذه ظنون تختلف بالإضافة إلى المجتهدين ، وهل يسمى إلحاق الأكل ههنا بالجماع قياسا ؟ اختلفوا فيه ، فقال أصحاب أبي حنيفة : لا قياس في الكفارات .

وهذا استدلال وليس بقياس ، بل هو استدلال على تجريد مناط الحكم وحذف الحشو منه ، ولفظة القياس اصطلاح للفقهاء فيختلف إطلاقها بحسب اختلافهم في الاصطلاح ، فلست أرى الإطناب في تصحيح ذلك أو إفساده ; لأن أكثر تدوار النظر فيه على اللفظ . وعلى الجملة فلا يظن بالظاهر في المنكر للقياس إنكار المعلوم والمقطوع به من هذه الإلحاقات ، لكن لعله ينكر المظنون منه ويقول : ما علم قطعا أنه لا مدخل له في التأثير فهو كاختلاف الزمان والمكان والسواد والبياض والطول والقصر فيجب حذفه عن درجة الاعتبار أما ما يحتمل فلا يجوز حذفه بالظن .

وإذا بان لنا إجماع الصحابة أنهم عملوا بالظن كان ذلك دليلا على نزول الظن منزلة العلم في وجوب العمل ; لأن المسائل التي اختلفوا فيها اجتهدوا كمسألة الحرام ومسألة الجد وحد الخمر والمفوضة ، وغيرها من المسائل ظنية وليست قطعية ، وعلى الجملة فلإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق طريقان متباينان : أحدهما : أن لا يتعارض إلا للفارق وسقوط أثره فيقول : لا فارق إلا كذا ، وهذه مقدمة ، ثم يقول ولا مدخل لهذا الفارق في التأثير ، وهذه مقدمة أخرى ; فيلزم منه نتيجة ، وهو أنه لا فرق في الحكم ، وهذا إنما يحسن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل كقرب الأمة من العبد ; لأنه لا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع .

الطريق الثاني : أن يتعرض للجامع ويقصد نحوه ، ولا يلتفت إلى الفوارق ، وإن كثرت ويظهر تأثير الجامع في الحكم فيقول : العلة في الأصل كذا وهي موجودة في الفرع فيجب الاجتماع في الحكم ، وهذا هو الذي يسمى قياسا بالاتفاق أما الأول ففي تسميته قياسا خلاف ; لأن القياس ما قصد به الجمع بين شيئين ، وذلك قصد فيه نفي الفرق فحصل الاجتماع بالقصد الثاني لا بالقصد الأول ، فلم يكن على صورة المقايسة بالإضافة إلى القصد الأول

والطريق الأول الذي هو التعرض للفارق ونفيه ينتظم حيث لم تعرف علة الحكم ، بل ينتظم في حكم لا يعلل وينتظم حيث عرف أنه معلل لكن لم تتعين العلة ، فإنا نقول : الزبيب في معنى التمر في الربا قبل أن يتعين عندنا علة الربا أنه الطعم أو الكيل أو القوت

وينتظم حيث ظهر أصل العلة وتعين أيضا ، ولكن لم تتلخص بعد أوصافه ولم تتحرر بعد قيوده وحدوده .

أما الطريق الثاني وهو الجمع ، فلا يمكن إلا بعد تعين العلة وتلخيصها بحدها وقيودها وبيان تحقيق وجودها بكمالها في الفرع وكل واحد من الطريقين ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون . فإذا تمهدت هذه المقدمات فيرجع إلى المقصود ، وهو بيان إثبات العلة في الطريق الثاني الذي هو القياس بالاتفاق ، وهو رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما .

وهذا القياس يحتاج إلى إثبات مقدمتين :

إحداهما مثلا : أن علة تحريم الخمر الإسكار .

والثانية أن الإسكار موجود في النبيذ . أما الثانية فيجوز أن تثبت بالحس ودليل العقل والعرف وبدليل الشرع وسائر أنواع الأدلة ، أما الأولى فلا تثبت إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع أو نوع استدلال مستنبط ، فإن كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي كما أن نفس التحريم كذلك وطريقه .

[ ص: 308 ] طريقه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث