الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في سبب وجوب هذه النفقة

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما سبب وجوب هذه النفقة أما نفقة الولادة فسبب وجوبها هو الولادة ; لأن به تثبت الجزئية والبعضية والإنفاق على المحتاج إحياء له ويجب على الإنسان إحياء كله وجزئه وإن شئت قلت : سبب نفقة الأقارب في الولادة وغيرها من الرحم المحرم هو القرابة المحرمة للقطع ; لأنه إذا حرم قطعها يحرم كل سبب مفض إلى القطع .

وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم مع قدرته وحاجة المنفق عليه تفضي إلى قطع الرحم فيحرم الترك وإذا حرم الترك ; وجب الفعل ضرورة وإذا عرف هذا فنقول : الحال في القرابة الموجبة للنفقة لا يخلو إما أن كانت حال الانفراد وإما إن كانت حال [ ص: 32 ] الاجتماع فإن كانت حال الانفراد بأن لم يكن هناك ممن تجب عليه النفقة إلا واحدا تجب كل النفقة عليه عند استجماع شرائط الوجوب لوجود سبب وجوب كل النفقة عليه وهو الولادة والرحم المحرم وشرطه من غير مزاحم ، وإن كانت حال الاجتماع فالأصل أنه متى اجتمع الأقرب والأبعد ; فالنفقة على الأقرب في قرابة الولادة وغيرها من الرحم المحرم فإن استويا في القرب ففي قرابة الولادة يطلب الترجيح من وجه آخر وتكون النفقة على من وجد في حقه نوع رجحان فلا تنقسم النفقة عليهما على قدر الميراث وإن كان كل واحد منهما وارثا ، وإن لم يوجد الترجيح فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما .

وأما في غيرها من الرحم المحرم فإن كان الوارث أحدهما والآخر محجوبا ; فالنفقة على الوارث ويرجح بكونه وارثا وإن كان كل واحد منهما وارثا فالنفقة عليهما على قدر الميراث وإنما كان كذلك ; لأن النفقة في قرابة الولادة تجب بحق الولادة لا بحق الوراثة قال الله تعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } علق سبحانه وتعالى وجوبها باسم الولادة ، وفي غيرها من الرحم المحرم تجب بحق الوراثة لقوله عز وجل { وعلى الوارث مثل ذلك } علق سبحانه وتعالى الاستحقاق بالإرث فتجب بقدر الميراث ولهذا قال أصحابنا : إن من أوصى لورثة فلان وله بنون وبنات فالوصية بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، ولو أوصى لولد فلان ; كان الذكر والأنثى فيه سواء فدل به ما ذكرنا .

وبيان هذا الأصل إذا كان له ابن وابن ابن فالنفقة على الابن ; لأنه أقرب ، ولو كان الابن معسرا وابن الابن موسرا فالنفقة على الابن أيضا إذا لم يكن زمنا ; لأنه هو الأقرب ولا سبيل إلى إيجاب النفقة على الأبعد مع قيام الأقرب إلا أن القاضي يأمر ابن الابن بأن يؤدي عنه على أن يرجع عليه إذا أيسر فيصير الأبعد نائبا عن الأقرب في الأداء ، ولو أدى بغير أمر القاضي لم يرجع ، ولو كان له أب وجد فالنفقة على الأب لا على الجد ; لأن الأب أقرب ، ولو كان الأب معسرا والجد موسرا فنفقته على الأب أيضا إذا لم يكن زمنا لكن يؤمر الجد بأن ينفق ثم يرجع على الأب إذا أيسر ، ولو كان له أب وابن ابن فنفقته على الأب ; لأنه أقرب إلا أنه إذا كان الأب معسرا غير زمن وابن الابن موسرا فإنه يؤدي عن الأب بأمر القاضي ثم يرجع عليه إذا أيسر ، ولو كان له أب وابن فنفقته على الابن لا على الأب وإن استويا في القرب والوراثة ويرجع الابن بالإيجاب عليه ; لكونه كسب الأب فيكون له حقا في كسبه وكون ماله مضافا إليه شرعا لقوله صلى الله عليه وسلم { أنت ومالك لأبيك } ولا يشارك الولد في نفقة والده أحد لما قلنا وكذا في نفقة والدته لعدم المشاركة في السبب وهو الولادة ، والاختصاص بالسبب يوجب الاختصاص بالحكم وكذا لا يشارك الإنسان أحد في نفقة جده وجدته عند عدم الأب والأم ; لأن الجد يقوم مقام الأب عند عدمه والجدة تقوم مقام الأم عند عدمها .

ولو كان له ابنان فنفقته عليهما على السواء وكذا إذا كان له ابن وبنت ولا يفضل الذكر على الأنثى في النفقة ; لاستوائهما في سبب الوجوب وهو الولادة ، ولو كان له بنت وأخت فالنفقة على البنت ; لأن الولادة لها ، وهذا يدل على أن النفقة لا تعتبر بالميراث ; لأن الأخت ترث مع البنت ولا نفقة عليها مع البنت ولا تجب على الابن نفقة منكوحة أبيه ; لأنها أجنبية عنه إلا أن يكون الأب محتاجا إلى من يخدمه فحينئذ يجب عليه نفقة امرأته ; لأنه يؤمر بخدمة الأب بنفسه أو بالأجير ، ولو كان للصغير أبوان فنفقته على الأب لا على الأم بالإجماع وإن استويا في القرب والولادة ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد ; لأن الله تعالى خص الأب بتسميته بكونه مولودا له وأضاف الولد إليه فاللام الملك وخصه بإيجاب نفقة الولد الصغير عليه بقوله { وعلى المولود له رزقهن } أي رزق الوالدات المرضعات سمى الأم والدة والأب مولودا له وقال عز وجل { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } خص سبحانه وتعالى الأب بإيتاء أجر الرضاع بعد الطلاق ، وكذا أوجب في الآيتين كل نفقة الرضاع على الأب لولده الصغير وليس وراء الكل شيء ولا يقال : إن الله عز وجل قال { وعلى المولود له رزقهن } ثم قال { وعلى الوارث مثل ذلك } والأم وارثة فيقتضي أن تشارك في النفقة كسائر الورثة من ذوي الرحم المحرم وكمن قال : أوصيت لفلان من مالي بألف درهم وأوصيت لفلان مثل ذلك ولم تخرج الوصيتان من الثلث أنهما يشتركان فيه كذا هذا ; لأنا نقول لما جعل الله عز وجل كل النفقة على الأب بقوله { وعلى المولود له رزقهن } تعذر إيجابها على الأم [ ص: 33 ] حال قيام الأب فيحمل على حال عدمه ليكون عملا بالنص من كل وجه في الحالين ولم يوجد مثل هذا في سائر ذوي الرحم المحرم وفي باب الوصية لا يمكن العمل بكل واحدة من الوصيتين في حالين وقد ضاق المحل عن قبولهما في حالة واحدة فلزم القول بالشركة ضرورة ، ولو كان الأب معسرا غير عاجز عن الكسب والأم موسرة فالنفقة على الأب لكن تؤمر الأم بالنفقة ثم ترجع بها على الأب إذا أيسر ; لأنها تصير دينا في ذمته إذا أنفقت بأمر القاضي ، ولو كان للصغير أب وأم أم فالنفقة على الأب والحضانة على الجدة ; لأن الأم لما لم تشارك الأب في نفقة ولده الصغير مع قربها ; فالجدة مع بعدها أولى هذا إذا كان الولد صغيرا فقيرا وله أبوان موسران ، فأما إذا كان كبيرا وهو ذكر فقير عاجز عن الكسب فقد ذكر في كتاب النكاح أن نفقته أيضا على الأب خاصة ، وذكر الخصاف أنه على الأب والأم أثلاثا ثلثاها على الأب وثلثها على الأم ، وجه ما ذكره الخصاف أن الأب إنما خص بإيجاب النفقة عليه لابنه الصغير لاختصاصه بالولاية وقد زالت ولايته بالبلوغ فيزول الاختصاص فتجب عليهما على قدر ميراثهما ، وجه رواية كتاب النكاح أن تخصيص الأب بالإيجاب حال الصغر لاختصاصه بتسميته بكونه مولودا له وهذا ثابت بعد الكبر فيختص بنفقته كالصغر ، واعتبار الولاية والإرث في هذه النفقة غير سديد ; لأنها تجب مع اختلاف الدين ولا ولاية ولا إرث عند اختلاف الدين ولا يشارك الجد أحد في نفقة ولد ولده عند عدم ولده ; لأنه يقوم مقام ولده عند عدمه ولا يشارك الزوج في نفقة زوجته أحد ; لأنه لا يشاركه أحد في سبب وجوبها وهو حق الحبس الثابت بالنكاح ، حتى لو كان لها زوج معسر وابن موسر من غير هذا الزوج أو أب موسر أو أخ موسر ; فنفقتها على الزوج لا على الأب والابن والأخ ، لكن يؤمر الأب أو الابن أو الأخ بأن ينفق عليها ثم يرجع على الزوج إذا أيسر ، ولو كان له جد وابن ابن فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما في القرابة والوراثة سواء ولا ترجيح لأحدهما على الآخر من وجه آخر ، فكانت النفقة عليهما على قدر الميراث : السدس على الجد والباقي على ابن الابن كالميراث ، ولو كان له أم وجد كانت النفقة عليهما أثلاثا : الثلث على الأم والثلثان على الجد على قدر ميراثهما ، وكذلك إذا كان له أم وأخ لأب وأم أو لأب أو ابن أخ لأب وأم أو لأب أو عم لأم وأب أو لأب ; كانت النفقة عليهما أثلاثا : ثلثها على الأم والثلثان على الأخ وابن الأخ والعم وكذلك إذا كان له أخ لأب وأم وأخت لأب وأم ; كانت النفقة عليهما أثلاثا على قدر ميراثهما ، ولو كان له أخ لأب وأم وأخ لأم فالنفقة عليهما أسداسا سدسها على الأخ لأم وخمسة أسداسها على الأخ لأب وأم ، ولو كان له جد وجدة كانت النفقة عليهما أسداسا على قدر الميراث ، ولو كان له عم وعمة فالنفقة على العم ; لأنهما استويا في القرابة المحرمة للقطع ، والعم هو الوارث فيرجح بكونه وارثا وكذلك لو كان له عم وخال لما قلنا ، ولو كان له عمة وخالة أو خال فالنفقة عليهما أثلاثا : ثلثاها على العمة والثلث على الخال أو الخالة ، ولو كان له خال وابن عم فالنفقة على الخال لا على ابن العم ; لأنهما ما استويا في سبب الوجوب وهو الرحم المحرم للقطع ; إذ الخال هو ذو الرحم المحرم واستحقاق الميراث للترجيح والترجيح يكون بعد الاستواء في ركن العلة ولم يوجد ، ولو كان له عمة وخالة وابن عم فعلى الخالة الثلث وعلى العمة الثلثان لاستوائهما في سبب استحقاق الإرث فيكون النفقة بينهما على قدر الميراث ولا شيء على ابن العم لانعدام سبب الاستحقاق في حقه وهو القرابة المحرمة القطع ، ولو كان له ثلاث أخوات متفرقات وابن عم فالنفقة على الأخوات على خمسة أسهم : ثلاثة أسهم على الأخت لأب وأم وسهم على الأخت لأم وسهم على الأخت لأب على قدر الميراث ولا يعتد بابن العم في النفقة لانعدام سبب الاستحقاق في حقه فيلحق بالعدم كأنه ليس له إلا الأخوات وميراثه لهن على خمسة أسهم كذا النفقة عليهن ، ولو كان له ثلاثة إخوة متفرقين فالنفقة على الأخ للأب والأم وعلى الأخ للأم على قدر الميراث أسداسا ; لأن الأخ لا يرث معهما فيلحق بالعدم ، ولو كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على العم ; لأن العم مساو لهما في سبب الاستحقاق وهو الرحم وفضلهما بكونه وارثا ; إذ الميراث له لا لهما فكانت النفقة عليه لا عليهما ، وإن كان العم معسرا فالنفقة عليهما ; لأنه يجعل كالميت ، والأصل في هذا أن كل من كان يحوز جميع الميراث [ ص: 34 ] وهو معسر يجعل كالميت وإذا جعل كالميت ; كانت النفقة على الباقين على قدر مواريثهم وكل من كان يحوز بعض الميراث لا يجعل كالميت فكانت النفقة على قدر مواريث من يرث معه بيان هذا الأصل : رجل معسر عاجز عن الكسب وله ابن معسر عاجز عن الكسب أو هو صغير وله ثلاثة إخوة متفرقين فنفقة الأب على أخيه لأبيه وأمه وعلى أخيه لأمه أسداسا : سدس النفقة على الأخ لأم وخمسة أسداسها على الأخ لأب وأم ، ونفقة الولد على الأخ لأب وأم خاصة ; لأن الأب يحوز جميع الميراث فيجعل كالميت فيكون نفقة الأب على الأخوين على قدر ميراثهما منه وميراثهما من الأب هذا فأما الابن فوارثه العم لأب وأم لا العم لأب ولا العم لأم ; فكانت نفقته على عمه لأب وأم ، ولو كان للرجل ثلاث أخوات متفرقات كانت نفقته عليهن أخماسا : ثلاثة أخماسها على الأخت لأب وأم ، وخمس على الأخت لأب وخمس على الأخت لأم على قدر مواريثهن ونفقة الابن على عمته لأب وأم ; لأنها هي الوارثة منه لا غير ، ولو كان مكان الابن بنت والمسألة بحالها ; فنفقة الأب في الإخوة المتفرقين على أخيه لأبيه وأمه وفي الأخوات المتفرقات على أخته لأبيه وأمه ; لأن البنت لا تحوز جميع الميراث فلا حاجة إلى أن تجعل كالميتة فكان الوارث معها الأخ للأب والأم لا غير والأخت لأب وأم لا غير ; لأن الأخ والأخت لأم لا يرثان مع الولد والأخ لأب لا يرث مع الأخ لأب وأم والأخت لأب لا ترث مع البنت والأخت لأب وأم ; لأن الأخوات مع البنات عصبة وفي العصبات يقدم الأقرب فالأقرب فكانت النفقة عليهما وكذلك نفقة البنت على العم لأب وأم أو على العمة لأب وأم ; لأنهما وارثاها بخلاف الفصل الأول ; لأن هناك لا يمكن الإيجاب للنفقة على الإخوة والأخوات إلا بجعل الابن كالميت ; لأنه يحوز جميع الميراث فمست الحاجة إلى أن يجعل ميتا حكما ، ولو كان الابن ميتا كان ميراث الأب للأخ لأب وأم وللأخ لأم أسداسا وللأخوات أخماسا ، فكذا النفقة وعلى هذا الأصل مسائل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث