الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رجوع إلى بيان الشرك ووسائله

رجوع إلى بيان الشرك ووسائله

ومن ذلك ما أخرجه أحمد بإسناد جيد عن قبيصة، عن أبيه: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت" وأخرجه أبو داود، والنسائي وابن حبان أيضا.

وأخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر".

وأخرج النسائي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: "من عقد عقدة، ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه".

وهذه الأمور إنما كانت من الجبت والشرك; لأنها مظنة للتعظيم الجالب للاعتقاد الفاسد.

ومن ذلك ما أخرجه أهل السنن، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أتى كاهنا، أو عرافا، فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد".

[ ص: 59 ] وأخرج أبو يعلى، بسند جيد مرفوعا: "من أتى كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد".

وأخرج نحوه الطبراني من حديث ابن عباس بسند حسن.

والعلة الموجبة للحكم بالكفر ليست إلا اعتقاد أنه مشارك لله تعالى في علم الغيب، مع أنه في الغالب يقع غير مصحوب بهذا الاعتقاد، ولكن "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه".

ومن ذلك ما في "الصحيحين" وغيرهما، عن زيد بن خالد، قال: صلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح على إثر سماء من الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس بوجهه الشريف فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب".

ولا يخفى على العارف أن العلة في الحكم بالكفر هي ما في ذلك من إيهام المشاركة.

وأين هذا ممن يصرح في دعائه عند أن يمسه الضر بقوله: يا ألله يا فلان، وعلى الله وعلى فلان; فإن هذا يعبد ربين، ويدعو اثنين.

وأما من قال: "مطرنا بنوء كذا" فهو لم يقل: أمطره ذلك النوء، بل قال : أمطر به، وبين الأمرين فرق ظاهر.

ومن ذلك ما أخرجه مسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يقول الله -عز وجل-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".

وأخرج أحمد عن أبي سعيد مرفوعا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟" قالوا: بلى، قال: "الشرك الخفي، يقوم الرجل فيزين صلاته لما يراه من نظر رجل".

[ ص: 60 ] ومن ذلك قوله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [الكهف: 110] فإذا كان مجرد الرياء الذي هو فعل الطاعة لله -عز وجل- مع محبة أن يطلع عليها غيره، أو يثني بها، أو يستحسنها -شركا، فكيف بما هو محض الشرك؟!!

ومن ذلك ما أخرجه النسائي: أن يهوديا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنكم تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة!

فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقولوا: "ورب الكعبة! وأن يقولوا: ما شاء الله، ثم ما شئت".


وأخرج النسائي أيضا عن ابن عباس مرفوعا: أن رجلا قال: ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده".

وأخرج ابن ماجه عن الطفيل، قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله.

وقالوا: وأنتم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.

ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. وقالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.

فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، قال: "فهل أخبرت بها أحدا؟" قلت: نعم. قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد: فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة، كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده".


والوارد في هذا الباب كثير، وفيه أن التشريك في المشيئة بين الله ورسوله، أو غيره من عبيده، فيه نوع من الشرك؛ ولهذا جعل ذلك في هذا المقام الصالح، [ ص: 61 ] كشرك اليهود والنصارى، بإثبات ابن لله -عز وجل- وفي تلك الرواية السابقة أنه إثبات ند لله عز وجل.

ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- لمن قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى: "بئس خطيب القوم أنت" وهو في "الصحيح".

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون [البقرة: 22]: أنه قال: الأنداد أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان! وحياتي، ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. هذا كله شرك. انتهى.

ومن ذلك ما ثبت في "الصحيح" من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وأرض ربك، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي".

ووجه هذا النهي ما يفهم من مخاطبة السيد بمخاطبة العبد لربه، والرب لعبده، وإن لم يكن ذلك مقصودا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث