الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
حكم زيارة النساء للقبور

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن زوارات القبور. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.

قال: قد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي -صلى الله عليه وسلم- في زيارة القبور، فلما رخص، دخل في رخصة الرجال النساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء؛ لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن. انتهى.

وهذا إنما يصح إذا صح تاريخ الحديث، وإذ ليس، فليس، واللعنة تدل على كونها محرمة في حق النساء دون كونها مكروهة. ولا سبيل إلى قبول هذا التأويل إلا إذا ساعده النقل، مع أن النقل يدل على خلافه؛ لما في حديث ابن عباس : لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي .

وبهذا عرفت أن قول بعضهم: إن اللعنة على الكثيرة الزيارة؛ لقوله: «زوارات» بصيغة المبالغة دون على الزائرة بلا كثرة، كلام دفعه لفظ «الزائرات» الوارد في هذا الحديث. ولو سلم أن هذين الحديثين كانا قبل الرخصة، للزم أن يكون حكم اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها قبلها، مع أنه علم بالضرورة الدينية أن [ ص: 563 ] الاتخاذ المذكور لم يكن جائزا في الشرائع، ولا رخص فيه الشارع أبدا، وهذا ناظر في منع النساء عن زيارات المشاهد والمقابر. وقد جرت عادة نساء الإسلام منذ زمن طويل في غالب بلاده بأنهن لا يخرجن للزيارة إلا نادرا شاذا.

وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن اتباع النساء الجنائز، والزيارة أبلغ منه في الفساد. نعم، جوزها أهل البدعة والفسق، واعتادها نسوة بعض البلاد كالحرمين الشريفين، ومصر القاهرة، وغيرهما. فقد رأينا من ذلك، وسمعنا ما لا يسع ذكره هنا، ووجدناهن على القبور زرافات ووحدانا، وفيه من المفاسد ما لا يحصى، عرف ذلك من عرف الناس واختبرهم.

قال في «فتح المجيد»: حديث ابن عباس هذا في إسناده أبو صالح مولى أم هانئ، وقد ضعفه بعضهم، ووثقه بعضهم، وقال علي بن المديني عن يحيى القطان: لم أر أحدا من أصحابنا ترك أبا صالح، وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا، ولم يتركه شعبة، ولا زائدة، ولا عبد الله بن عثمان.

قال ابن معين: ليس به بأس، ولهذا أخرجه ابن السكن في «صحاحه»، كذا في «الذهب الإبريز» للحافظ المزي.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من طريقين: عن أبي هريرة بلفظ: «زوارات القبور»، وعن ابن عباس بلفظ: «زائرات القبور»، قال: ورجال هذا ليسوا رجال هذا، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب، ومثل هذا حجة بلا ريب، وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي؛ فإنه جعل الحسن: ما تعدد طرقه، ولم يكن فيه متهم ولا شاذ؛ أي مخالف لما أثبت بنقل الثقات، وهذا الحديث كذلك، وهذا لو كان عن صاحب واحد، فكيف إذا كان هذا رواه عن صاحب، وذاك عن آخر، فهذا كله يبين أن الحديث معروف في الأصل. والذين رخصوا في الزيارة، اعتمدوا على ما روي عن عائشة : أنها زارت قبر [ ص: 564 ] أخيها عبد الرحمن، وقالت: لو شهدت ما زرتك. وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء كما تستحب للرجال، إذ لو كان كذلك، لاستحبت زيارته، سواء شهدته أم لا. قلت: فعلها هذا لا حجة فيه أصلا لمن قال بالرخصة.

وأما حديثها عند الترمذي عن رواية ابن أبي مليكة بلفظ: إن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين! أليس نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها". فأجاب شيخ الإسلام عنه بقوله: ولا حجة فيه؛ فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام، فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ، ولم يذكر لها المحتج عليها النهي الخاص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة. يبين ذلك قولها: «قد أمر بزيارتها»، فهذا يبين أنه أمر بها أمرا يقتضي الاستحباب، إنما هو ثابت للرجال خاصة، ولو كانت تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور، لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجال، ولم تقل لأخيها ما زرتك، واللعن صريح بالتحريم. والخطاب بالإذن في قوله: «وزوروها» لم يتناول النساء، فلم يدخل في الحكم الناسخ. والعام إذا عرف أنه بعد الخاص، لم يكن ناسخا له، عند جمهور العلماء، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، إذ قد يكون قوله: لعن الله زوارات القبور بعد إذنه للرجال في الزيارة، يدل على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج. ومعلوم أن اتخاذها المنهي عنه محكم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. والصحيح: أن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه:

[ ص: 565 ] أحدها: أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فزوروها» صيغة التذكير، وإنما يتناول النساء على سبيل التغليب، لكن هذا فيه قولان:

1- قيل: إنه يحتاج إلى دليل منفصل، وحينئذ فيحتاج تناول ذلك النساء إلى دليل منفصل.

2- وقيل: إنه يحتمل ذلك عند الإطلاق، وعلى هذا فيكون دخول النساء بطريق العموم الضعيف، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة، ولا ينسخها عند جمهور العلماء. ولو كان النساء داخلات في هذا الخطاب، لاستحب لهن زيارة القبور، وما علمنا أحدا من الأئمة استحب لهن زيارتها، ولا كان النساء على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور.

ومنها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علل بالإذن للرجال بأن ذلك يذكر الموت، ويرقق القلب، ويدمع العين، هكذا في «مسند أحمد». ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب، أخرجها إلى الجزع، والندب والنياحة؛ لما فيها من الضعف وقلة الصبر. وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة، فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا يتميز بين نوع ونوع.

ومن أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية، أو منتشرة، علق الحكم بمظنتها، فيحرم هذا الباب سدا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة، وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك، وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض المفسدة، فإنه ليس فيه إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها.

ومن العلماء من يقول: التشييع كذلك، ويحتج بقوله: ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت»، وقوله لفاطمة: أما إنك لو بلغت معهم الكدى، لم تدخلي الجنة». يؤيده ما صح في «الصحيحين»: أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز. [ ص: 566 ] ومعلوم أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من صلى على جنازة، فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن، فله قيراطان أدل على العموم من التذكير، فإن لفظ «من» يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس. وقد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- لهن عن اتباع الجنائز، فإذا لم يدخلن في هذا العموم، فكذلك في ذلك بطريق الأولى. انتهى حاصله.

وما أحسن هذا التحرير والجواب من هو عارف بكيفية الاستدلال! وفذلكة الكلام في هذا المقام: أن الأمر بالزيارة بعد النهي عنها للرجال خاصة لا تدخل فيه النسوة، واللعن على الزائرات خاص بالنساء، لا يشمل الرجال، لهم أجر في اتباع الجنائز، والنساء لهن وزر في ذلك. ولا يعارض الموقوف، قولا كان أو فعلا ما صح مرفوعا، فلا حجة فيما جاء عن عائشة . وكانت -رضي الله عنها- مجتهدة، فلعل هذا من اجتهادها، وهي مأجورة على تقدير الخطأ أيضا فيه.

ويزيد ذلك إيضاحا: ما في «فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد» قال -رحمه الله -: وعما استدل به القائلون بالنسخ أجوبة أيضا.

منها: أن ما ذكروه عن عائشة وفاطمة -رضي الله عنهما- معارض بما ورد عنهما في هذا الباب، فلا يثبت به نسخ.

ومنها: أن قول الصحابي وفعله ليس حجة على الحديث بلا نزاع.

وأما تعليمه عائشة كيف تقول إذا زارت القبور، ونحو ذلك، فلا يدل على نسخ ما دلت عليه الأحاديث الثلاثة؛ من لعن زائراتها؛ لاحتمال أن يكون ذلك [ ص: 567 ] قبل هذا النهي الأكيد، والوعيد الشديد. والله أعلم. انتهى.

وأقول: الظاهر من سياق الحديث: أن تعليم دعاء الزيارة لعائشة كان في الحقيقة تعليما لرجال الأمة؛ فإنهم يقولونه كذلك عند زيارتها، وليس فيه الأمر لها أو لغيرها من النساء بزيارة القبور، فالاستدلال بهذا على هذا أجنبي عن المقام، وخارج عن محل النزاع.

قال ابن القيم: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها من الكبائر. زاد أبو محمد المقدسي: لو أبيح إيقاد السرج عليها، لم يلعن من فعله؛ لأن فيه تضييع المال من غير فائدة وإفراطا في تعظيم القبور يشبه تعظيم الأصنام والأوثان. وعن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه مالك مرسلا، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن زيد بن أسلم، ولم يذكر عطاء، [و] رواه البزار عن زيد، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، وله شاهد عند أحمد بسنده عن أبي هريرة يرفعه: اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فيه: الدعاء من الله بألا يجعل قبره الشريف وثنا؛ أي: مثله في كونه القبلة للعبادة، يصلون إليه، ويتخذونه مسجدا كما اتخذ آخر هذه الأمة قبور صلحائها مساجد، يجتمعون إليها، ويصلون عندها، ويفعلون الأعراس لأهلها بالاجتماع المشابه بالاجتماع من غير أهل الإسلام، على الوثن وعنده، فما أشبه الليلة بالبارحة!

قال في «فتح المجيد»: وقد استجاب الله دعاءه -صلى الله عليه وسلم- هذا، فلم يجعل مرقده الكريم وثنا يعبد من دون الله، قال ابن القيم في النونية:


فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران [ ص: 568 ]     حتى غدت أرجاؤه بدعائه
في عزة وحماية وصيان

قال: ودل الحديث على أن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- لو عبد، كان وثنا، لكن حماه الله بما حال بينه وبين الناس، فلا يوصل إليه، ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور، والتوابيت التي عليها. وقد عظمت الفتنة بالقبور بتعظيمها، وعبادتها، وفي مثل هذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: كيف أنتم إذا ألبستكم فتنة، يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس، يتخذونها سنة، إذا غيرت، قيل: غيرت السنة.

ونهى عمر -رضي الله عنه- عن تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي -صلى الله عليه وسلم- فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة.

وقال المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب بطريق مكة صلاة الصبح، فرأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها.

قال: وفي الحديث دليل على تحريم البناء على القبور، وتحريم الصلاة عندها، وأن ذلك من الكبائر.

وللطبراني عن مالك: أنه كره أن يقول: زرت قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلل ذلك بقوله: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد الحديث. كره إضافة هذا اللفظ إلى القبر؛ لئلا يقع التشبه بفعل أولئك؛ سدا للذريعة. قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: ومالك أدرك التابعين، وهم أعلم الناس [ ص: 569 ] بهذه المسألة، فدل ذلك على أنه لم يكن معروفا عندهم لفظ: زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن هذا اللفظ قد صار كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية، وهي قصد الميت لسؤاله، ودعائه، والرغبة إليه في قضاء الحوائج، ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس، فهم يعنون بلفظ الزيارة مثل هذا، وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة. فكره مالك أن يتكلم بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد، بخلاف الصلاة والسلام عليه، فإن ذلك مما أمر الله به.

أما لفظ الزيارة في عموم القبور، فلم يفهم منها مثل هذا المعنى، ألا ترى إلى قوله: فزوروا القبور؛ فإنها تذكرة الآخرة»، مع زيارته لقبر أمه، فإن هذا يتناول قبور الكفار. فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله، والاستغاثة به، ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع، بخلاف ما إذا كان المزور معظما في الدين؛ كالأنبياء والصالحين، فإن كثيرا ما يعنى بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية الشركية، فلهذا كره مالك ذلك في مثل هذا، وإن لم يكره ذلك في موضع آخر ليس فيه هذه المفسدة. انتهى.

وفيه: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يستعذ إلا مما خاف وقوعه. قلت: ويدخل في هذا الحديث هذه المساجد التي فيها قبور المسلمين عموما، أو بعض الصالحين، سواء كان المسجد بني أولا، ثم دفن فيه أحد من الأمراء أو الغرباء أهل الإسلام، أو بني القبر أولا، ثم أحدث عنده مسجد من المساجد، فالصلاة في مثل هذه المساجد يشملها حديث الباب، ويسجل على المصلين فيها باشتداد غضب الله الذي هو جالب لأليم العذاب. اللهم احفظنا. وإذا كان هذا الغضب يشتد على من اتخذ قبر نبي من الأنبياء مسجدا، فما ظنك بقبور غيرهم من آحاد الأمة التي لا تبلغ شأوه، كيف يكون اشتداد هذا الغضب على متخذيه؟! ولكن أرى أن هذه البلوى قد عمت، وأنها إذا عمت، [ ص: 570 ] طابت، وقل من ينجو من هذه البلايا والرزايا، إلا من حفظه الله ورحمه. اللهم ارحمنا.

التالي السابق


الخدمات العلمية