الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر

قال [أبو الحسن] الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب: (ووقفت على ما التمسوه من ذكر الأصول التي عول [ ص: 187 ] سلفنا [رحمة الله عليهم] عليها وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها، واتباع خلفنا الصالح لهم في ذلك، وعدولهم عما صار إليه أهل البدع من المذاهب التي أحدثوها، وصاروا إلى مخالفة الكتاب والسنة بها، وما ذكرتم من شدة الحاجة إلى ذلك، فبادرت - أيدكم الله - بإجاباتكم إلى ما التمسوه، وذكرت لهم جملا من الأصول، مقرونة بأطراف من الحجاج، تدلكم على صوابكم في ذلك، وخطإ أهل البدع فيما صاروا إليه من مخالفتهم، وخروجهم عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم، ومفارقتهم بذلك الأدلة الشرعية، وما أتى به الرسول منها ونبه عليها، وموافقتهم بذلك لطرق الفلاسفة الصادين عنها، والجاحدين لما أتت به الرسل [صلوات الله عليهم] منها: اعلموا - أرشدكم الله - أن الذي [ ص: 188 ] مضى عليه سلفنا وأتباعهم من صالح خلفنا: أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى سائر العالمين وهم أحزاب متشتتون، وفرق متباينون: منهم كتابي يدعو إلى الله بما في كتابه، وفلسفي قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول وبرهمي ينكر أن يكون لله رسول، ودهري يدعي الإهمال ويخبط في عشواء الضلال، وثنوي قد اشتملت عليه الحيرة، ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة، وصاحب صنم يعكف عليه ويزعم أن له ربا يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه، لينبههم جميعا على حدثهم، ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم، ويبين لهم طرق معرفته، بما فيهم من آثار صنعتهم ويأمرهم برفض كل ما كانوا عليه من سائر الأباطيل، بعد تنبيهه عليه السلام لهم على فسادها، ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به عن ربهم بالآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، ويوضح لهم سائر [ ص: 189 ] ما تعبدهم الله به من شريعته، وأنه عليه السلام دعا جماعتهم إلى ذلك، ونبههم على حدثهم، بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات، وغير ذلك من اختلاف اللغات، وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم، بما فيهم وفي غيرهم مما يقتضي وجوده، ويدل على إرادته وتدبيره، حيث قال عز وجل: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [سورة الذاريات: 21] ، فنبههم عز وجل بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها على ذلك.

وشرح لهم ذلك بقوله سبحانه: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين [سورة المؤمنون: 12-14] .

وهذا من أوضح ما يقتضي الدلالة على حدث الإنسان [ ص: 190 ] ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديما، وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره، وكونه قديما ينفي تلك الحال، فإذا حصل متغيرا بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن قبل تغيره عليها، دل ذلك على حدوثها وحدوث الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها، إذ لو كانت قديمة لما جاز عدمها، وذلك أن القديم لا يجوز عدمه، وإذا كان هذا على ما قلنا، وجب أن يكون ما عليه الأجسام من التغير منتهيا إلى هيئات محدثة، ولم تكن الأجسام قبلها موجودة، بل كانت معها محدثة، ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق، فيتم من غير مرتب له، ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها، دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئات المخالفة لها، وجواز تقدمها في الزمان وتأخرها، وحاجتها بذلك إلى محدثها ومرتبها، لأن سلالة الطين والماء المهين [ ص: 191 ] بنفسه، لا يجوز أن يقع شيء من ذلك فيها بالاتفاق، لاحتمالها لغيره، فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون غيره من الأجسام، وما فيه الآلات المعدة لمصالحه: كسمعه وبصره وشمه وحسه وآلات ذوقه، وما أعد له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها، على ترتيب ما قد أحوج إليه من ذلك، حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنع من غذائه، وتحول بينه وبين مرضعته، فإذا نقل من ذلك وخرج إلى غذاء لا ينتفع به، ولا يصل منه إلى غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ذلك إليه، والمعدة المعدة لطبخ ما يصل إليها من ذلك، وتلطيفه حتى يصل إلى الشعر والظفر، وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجار لطاف، قد هيئت لذلك بمقدار ما يقيمها، والكبد المعدة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب، [ ص: 192 ] والرئة المهيأة لإخراج بخار الحرارة التي في القلب، وإدخال ما يعتدل به من الهواء البارد، باجتذاب المناخر، وما فيها من الآلات المعدة كخروج ما يفضل من الغذاء عن مقدار الحاجة، في مجار ينفذ ذلك منها، وغير ذلك مما يطول شرحه، مما لا يصح وقوعه بالاتفاق، ولا يستغني في ما هو عليه عن مقوم له يرتبه، إذ كان [ذلك] لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع لها مدبر، عند كل عاقل متأمل، كما لا يصح أن تترتب الدار على ما تحتاج إليه فيها من البناء بغير مدبر يقسم ذلك فيها، ويقصد إلى ترتيبها.

ثم زادهم [الله] تعالى في ذلك بيانا بقوله عز وجل: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب [سورة آل عمران: 190] [ ص: 193 ] ، فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق الحاجة إليه في مصالحهم، التي لا تخفى مواقع انتفاعهم بها، كالليل الذي جعل لسكونهم، ولتبريد ما زاد عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم، والنهار الذي جعل لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم، على القدر الذي يحتملونه في ذلك.

ولو كان دهرهم كله ليلا لأضر بهم ما فيه من الظلمة، التي تقطعهم عن التصرف في مصالحهم، وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم، وكذلك لو كان دهرهم كله نهارا، لأضر بهم ذلك ودعاهم إلى ما فيه من الضياء إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم على ذلك، إلى ما لا يطيقونه، فأداهم قلة الراحة إلى عطبهم، فجعل لهم من النهار قسطا لتصرفهم، لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه، وجعل لهم من الليل قسطا لسكونهم، لا يقتصر عن درك حاجتهم، لتعتدل في ذلك [ ص: 194 ] أحوالهم، وتكمل مصالحهم، وجعل لهم من الحر والبرد فيهما، بمقدار ما لهم من ثمارهم ولمواشيهم من الصلاح، رفقا لهم وجعل لون ما يحيط بهم من السماء ملاوما لأبصارهم، ولو كان لونها على اختلاف ذلك من الألوان لأفسدها، ودلهم على حدثها، بما ذكرناه من حركتها، واختلاف هيئاتها، كما ذكرنا آنفا، ودلهم على حاجتها وحاجة الأرض، وما فيهما من الحكم، مع عظمها وثقل أجرامها إلى إمساكه عز وجل لهما بقوله تعالى:إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا [سورة فاطر: 41] .

فعرفنا تعالى أن وقوفهما لا يصح أن يكون من غيره، وأن وقوفهما [ ص: 195 ] لا يجوز أن يكون بغير موقف لهما، ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع، وما يدعونه من فعل الأرض والماء والنار والهواء في الأشجار، وما يخرج منها من سائر الثمار بقوله عز وجل: وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ثم قال [عز وجل] إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [سورة الرعد: 4] .

ثم نبه تعالى [خلقه] على أنه واحد باتساق أفعاله وترتيبها، وأنه تعالى لا شريك له فيها، بقوله عز وجل: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [سورة الأنبياء: 22] . ووجه الفساد بذلك: لو كانا إلهين ما اتسق أمرهما على نظام، ولا يتم على إحكام، وكان لا بد أن يلحقهما العجز، أو يلحق أحدهما، عند التمانع في الأفعال والقدرة [على ذلك]، وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادرا على [ ص: 196 ] ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من فعل الآخر، أو لا يكون كل واحد منهما قادرا على ذلك، فإن كان كل واحد منهما قادرا على فعل ما يقدر الآخر بدلا منه، لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر، إلا بترك الآخر له، وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له، جاز أن يمنع كل واحد منهما صاحبه من ذلك.

ومن يجوز أن يمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له، فهو مذموم عاجز، وإن كان كل واحد منهما لا يقدر على فعل مقدور الآخر بدلا منه، وجب عجزهما وحدوث قدرتيهما، والعاجز لا يكون إلها ولا ربا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث