الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل في أصح الروايات ، المفسرة لإجمالي هذه الآيات )

الخروج إلى حنين والقتال والهزيمة :

قال الحافظ في أول الكلام على هذه الغزوة من الفتح : قال أهل المغازي : خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى حنين لست خلت من شوال ، وقيل : لليلتين بقيتا من رمضان ، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان ، وسار سادس شوال ، وكان وصوله [ ص: 222 ] إليها في عاشره . وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النصري جمع القبائل من هوازن ، ووافقه على ذلك الثقفيون ، وقصدوا محاربة المسلمين ، فبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخرج إليهم ، قال عمر بن شبة في كتاب مكة : حدثنا الحزامي يعني إبراهيم بن المنذر - حدثنا ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة أنه كتب إلى الوليد : أما بعد ، فإنك كتبت إلي تسألني عن قصة الفتح - فذكر له وقتها - فأقام عامئذ بمكة نصف شهر ، ولم يزد على ذلك ، حتى أتاه أن هوازن وثقيفا قد نزلوا حنينا يريدون قتال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم عوف بن مالك . ولأبي داود بإسناد حسن من حديث سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى حنين فأطنبوا السير فجاء رجل فقال : إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين ، فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى " وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدل على أن هذا الرجل هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي اهـ .

وقد أخرج البيهقي في الدلائل حديث الربيع بن أنس المتقدم عن يونس بن بكر ، وزاد فيه أنهم أي المسلمين كانوا اثني عشر ألفا منهم ألفان من أهل مكة . أقول : وأما العشرة الآلاف فهم أصحابه الذين فتح بهم مكة . وفي البخاري من حديث هشام بن زيد عن أنس عبارة مبهمة بل غلط في هذا العدد ، قال : لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ، ومع النبي عشرة آلاف من الطلقاء ، فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما ، فقال : " يا معشر الأنصار " فقالوا : لبيك يا رسول الله نحن معك ، ثم التفت عن يساره ( فذكر مثل ذلك ) إلخ ، فقوله : من الطلقاء غلط ، وفي رواية له : ومن الطلقاء . وهي مبهمة كما يعلم من رواية مسلم وهي " ومعه الطلقاء " إلخ . ومن رواية البيهقي التي تقدمت آنفا . وهؤلاء الطلقاء كانوا ألفين . وكان حال بعض الألفين وخفة بعض الشبان هما السبب الأول للهزيمة ، إذ كان بعضهم منافقا أظهر الإسلام لما غلب على أمره ووطنه ومهد دينه ومعهد عزه وكبريائه ، وبعضهم ضعيف الإيمان ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتألفهم إلى أن يظهر لهم نور الإسلام وفضله بالعمل ومعاشرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع المؤمنين الصادقين ، ويزول ما كان في قلوبهم من ألفة الشرك وعداوة الإسلام ، حتى إن بعضهم أظهر الشماتة - بل الكفر - عند ما وقعت الهزيمة ، وكان منهم من ينوي قتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أمكنته الفرصة . كما يعلم من الروايات الصحيحة الآتية في القصة .

وأما السبب الثاني للهزيمة فهو مثل ما سبق في وقعة أحد من ظهور المسلمين على المشركين [ ص: 223 ] وإقبالهم على الغنائم ، واشتغالهم بها عن القتال ، وعند ذلك استقبلتهم هوازن وبنو نصر بالسهام ، وكانوا رماة لا يكاد يخطئ لهم سهم .

روى الشيخان وغيرهما من حديث البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ وسأله رجل من قيس : أفررتم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم حنين ؟ فقال : لكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يفر ، كانت هوازن رماة ، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام ، ولقد رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بغلته البيضاء - وأن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها - وهو يقول : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وفي رواية لمسلم قال : جاء رجل إلى البراء فقال : أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة فقال : أشهد على نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما ولى . ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسرة ؟ إلى هذا الحي من هوازن ، وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " اللهم أنزل نصرك " قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وروى مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع قال : غزونا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حنينا ، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني فما دريت ما أصنع ، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فولى صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بأحدهما مرتديا بالأخرى ، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا ، ومررت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهزما وهو على بغلته الشهباء ، فقال رسول [ ص: 224 ] الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لقد رأى ابن الأكوع فزعا " فلما غشوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نزل عن البغلة ، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم ، فقال : شاهت الوجوه ، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين ، فهزمهم الله عز وجل ، وقسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غنائمهم بين المسلمين اهـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث