الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور

مسألة : في قوله صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة إلا بطهور }

و { لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب } و { لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل } و { لا نكاح إلا بولي } و { لا نكاح إلا بشهود } و { لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه } و { لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد } . فإن هذا نفي لما ليس منفيا بصورته ، فإن صورة النكاح والصوم والصلاة موجودة كالخطإ والنسيان . وقالت المعتزلة : هو مجمل لتردده بين نفي الصورة والحكم . وهو أيضا فاسد ، بل فساده في هذه الصورة أظهر ، فإن الخطأ والنسيان ليس اسما شرعيا ، والصلاة والصوم والوضوء والنكاح ألفاظ تصرف الشرع فيها فهي شرعية ، وعرف الشرع في تنزيل الأسامي الشرعية على مقاصده كعرف اللغة على ما قدمنا وجه تصرف الشرع في هذه الألفاظ فلا يشك في أن الشرع ليس يقصد بكلامه نفي الصورة فيكون خلفا بل يريد نفي الوضوء والصوم والنكاح الشرعي ، فعرف الشرع يزيل هذا الاحتمال فكأنه صرح بنفي الصلاة الشرعية والنكاح الشرعي . فإن قيل : فيحتمل نفي الصحة ونفي الكمال أي : لا صلاة كاملة ولا صوم فاضلا ولا نكاح مؤكدا ثابتا ، فهل هو محتمل بينهما ؟ قلنا ذهب القاضي إلى أنه مردد بين نفي الكمال والصحة ، إذ لا بد من إضمار الصحة أو الكمال ، وليس أحدهما بأولى من الآخر والمختار أنه ظاهر في نفي الصحة محتمل لنفي الكمال على سبيل التأويل ; لأن الوضوء والصوم صارا عبارة عن الشرعي ، وقوله : " لا صيام " صريح في نفي الصوم ، ومهما حصل الصوم الشرعي ، وإن لم يكن فاضلا كاملا كان ذلك على خلاف مقتضى النفي .

فإن قيل : فقوله : صلى الله عليه وسلم { لا عمل إلا بنية } من قبيل قوله : " لا صلاة أو من قبيل قوله : { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } ؟ قلنا : الخطأ والنسيان ليسا من الأسماء الشرعية والصوم والصلاة من الأسماء الشرعية ، وأما العمل فليس للشرع فيه [ ص: 189 ] تصرف . وكيفما كان فقوله : صلى الله عليه وسلم : { لا عمل إلا بنية } وقوله { إنما الأعمال بالنيات } يقتضي عرف الاستعمال نفي جدواه وفائدته كما يقتضي عرف الشرع نفي الصحة في الصوم والصلاة ، فليس هذا من المجملات ، بل من المألوف في عرف الاستعمال قولهم : لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاد ولا حكم إلا لله ولا طاعة إلا له ولا عمل إلا ما نفع وأجدى ، وكل ذلك نفي لا ينتفي وهو صدق ; لأن المراد منه نفي مقاصده . دقيقة : القاضي رحمه الله إنما لزمه جعل اللفظ مجملا بالإضافة إلى الصحة والكمال من حيث إنه نفى الأسماء الشرعية وأنكر أن يكون للشرع فيها عرف يخالف الوضع ، فلزمه إضمار شيء في قوله عليه السلام " لا صيام " أي لا صيام مجزئا صحيحا أو لا صيام فاضلا كاملا ولم يكن أحد الإضمارين بأولى من الآخر .

وأما نحن إذا اعترفنا بعرف الشرع في هذه الألفاظ صار هذا النفي راجعا إلى نفس الصوم كقوله : لا رجل في البلد ، فإنه يرجع إلى نفي الرجل ولا ينصرف إلى الكمال إلا بقرينة الاحتمال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث