الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في "مطل الغني ظلم" والحوالة

2924 [ ص: 80 ] باب في "مطل الغني ظلم" والحوالة

وقال النووي: ( باب تحريم مطل الغني، وصحة الحوالة، واستحباب قبولها، إذا أحيل على مليء ) .

ولفظ المنتقى: (باب وجوب قبول الحوالة على المليء ) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص228 ج10 المطبعة المصرية

[عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء، فليتبع" .]

التالي السابق


(الشرح)

(عن أبي هريرة ) رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مطل الغني ظلم" ) .

فيه: إضافة المصدر إلى الفاعل، عند الجمهور

والمعنى: أنه يحرم على الغني القادر: أن يمطل صاحب الدين، بخلاف العاجز.

وقيل: هو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. أي: يجب على المستدين: أن يوفي صاحب الدين، ولو كان المستحق للدين غنيا، فإن مطله ظلم. فكيف إذا كان فقيرا ؟ فإنه يكون ظلما بالأولى.

[ ص: 81 ] ولا يخفى بعد هذا. كما قال الحافظ، والشوكاني.

والمطل في الأصل: "المد".

وقال الأزهري: المدافعة.

قال في الفتح: المراد هنا: تأخير ما استحق أداؤه، بغير عذر. انتهى.

قال عياض وغيره: مطل الغني، ظلم وحرام. ومطل غير الغني، ليس بظلم ولا حرام. لمفهوم الحديث، ولأنه معذور.

ولو كان غنيا، ولكنه ليس متمكنا من الأداء، لغيبة المال، أو لغير ذلك: جاز له التأخير إلى الإمكان. وهذا مخصوص من مطل الغني.

أو يقال: المراد بالغني: المتمكن من الأداء، فلا يدخل هذا فيه.

وقد اختلف: هل المطل مع الغنى كبيرة أم لا ؟

وقد ذهب الجمهور: إلى أنه موجب للفسق.

واختلفوا: هل يفسق بمرة، أو يشترط التكرار ؟ وهل يعتبر الطلب من المستحق، أم لا ؟

قال في الفتح: وهل يتصف بالمطل: من ليس القدر الذي عليه حاضرا عنده، لكنه قادر على تحصيله بالتكسب مثلا ؟

أطلق أكثر الشافعية: عدم الوجوب.

[ ص: 82 ] وصرح بعضهم: بالوجوب مطلقا.

وفصل آخرون؛ بين أن يكون أصل الدين وجب بسبب يعصي به فيجب. وإلا فلا. انتهى.

قال في النيل: والظاهر الأول، لأن القادر على التكسب ليس بمليء. والوجوب: إنما هو عليه فقط. لأن تعليق الحكم بالوصف، مشعر بالعلية. انتهى.

قال بعضهم: وفي هذا الحديث: دلالة لمذهب مالك، والشافعي، والجمهور: أن المعسر لا يحل حبسه، ولا ملازمته، ولا مطالبته، حتى يوسر.

(وإذا أتبع أحدكم على مليء ) قيل: هو بالهمز.

وقيل: بغير همز؛ ويدل على ذلك قول الكرماني: "الملي كالغني، لفظا ومعنى".

وقال الخطابي: إنه في الأصل "بالهمز". ومن رواه بتركها، فقد سهله.

(فليتبع ) بإسكان التاء فيهما. مثل "أخرج فليخرج". هذا هو الصواب، المشهور في الروايات، والمعروف في كتب اللغة، وكتب غريب الحديث.

ونقل عياض وغيره، عن بعض المحدثين: أنه يشددها في الكلمة الثانية.

[ ص: 83 ] والصواب: الأول. قاله النووي.

وأقول: يعني: أتبع بضم الهمزة وسكون التاء، على البناء للمجهول. قال القرطبي: عند الجميع. وأما "فليتبع" فالأكثر: على التخفيف.

قال النووي: ومعناه: إذا أحيل بالدين الذي له على موسر، فليحتل. يقال منه: تبعت الرجل لحقي، أتبعه تباعة، فأنا تبع: إذا طلبته. قال تعالى: ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا .

وقبول هذا: مستحب عند الجمهور. لأنهم حملوا الحديث على الندب. انتهى.

قال الحافظ: ووهم من نقل فيه الإجماع. انتهى.

قال النووي: وقيل: مباح، لا مندوب.

وقيل: واجب، لظاهر الأمر. وهو مذهب داود الظاهري، وغيره. انتهى.

قلت: وإليه ذهب أكثر الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير. وهو الموافق لظاهر لفظ الحديث. والله أعلم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث