الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 613 ] الفصل الرابع

في الكلام على مسالك العلة

وهي طرقها الدالة عليها

ولما كان لا يكتفى في القياس بمجرد وجود الجامع في الأصل والفرع ، بل لا بد في اعتباره من دليل يدل عليه ، وكانت الأدلة إما النص أو الإجماع ، أو الاستنباط; احتاجوا إلى بيان مسالك العلة .

وقد أضاف القاضي عبد الوهاب إلى الأدلة الثلاثة دليلا رابعا ، وهو العقل ، ولم يعتبره الجمهور ، بل جعلوا طريق إثبات العلة هو السمع فقط .

وقد اختلفوا في عدد هذه المسالك :

فقال الرازي في المحصول : هي عشرة : النص ، والإيماء ، والإجماع ، والمناسبة ، والتأثير ، والدوران ، والسبر والتقسيم ، والشبه ، والطرد ، وتنقيح المناط .

قال : وأمور أخر اعتبرها قوم ، وهي عندنا ضعيفة . انتهى .

واختلف أهل الأصول في تقديم مسلك الإجماع على مسلك النص ، أو مسلك النص على مسلك الإجماع ، فمن قدم الإجماع نظر إلى كونه أرجح من ظواهر النصوص; لأنه لا يتطرق إليه احتمال النسخ ، ومن قدم النص نظر إلى كونه أشرف من غيره ، وكونه مستند الإجماع ، وهذا مجرد اصطلاح في التأليف ، فلا مشاحة فيه .

وسنذكر من المسالك ها هنا أحد عشر مسلكا :

المسلك الأول

الإجماع

وهو نوعان :

إجماع على علة معينة ، كتعليل ولاية المال بالصغر ، وإجماع على أصل التعليل ، وإن اختلفوا في عين العلة ، كإجماع السلف على أن الربا في الأصناف الأربعة معلل ، [ ص: 614 ] وإن اختلفوا في العلة ماذا هي ؟

وقد ذهب إلى كون الإجماع من مسالك العلة جمهور الأصوليين ، كما حكاه القاضي في التقريب ، ثم قال : وهذا لا يصح عندنا; فإن القياسيين ليسوا كل الأمة ، ولا تقوم الحجة بقولهم ، وهذا الذي قاله صحيح ، فإن المخالفين في القياس كلا أو بعضا هم بعض الأمة ، فلا تتم دعوى الإجماع بدونهم .

وقد تكلف إمام الحرمين الجويني في البرهان لدفع هذا فقال : بأن منكري القياس ليسوا من علماء الأمة ، ولا من حملة الشريعة ، فإن معظم الشريعة صدرت عن الاجتهاد ، والنصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة انتهى .

وهذا كلام يقضي من قائله العجب ، فإن كون منكري القياس ليسوا من علماء الأمة من أبطل الباطلات ، وأقبح التعصبات ، ثم دعوى أن نصوص الشريعة لا تفي بعشر معشارها لا تصدر إلا عمن لم يعرف نصوص الشريعة حق معرفتها .

وحكى ابن السمعاني عن بعض أصحاب الشافعي أنه لا يجوز القياس على الحكم المجمع عليه ، ما لم يعرف النص الذي أجمعوا عليه انتهى .

وهذا يعود عند التحقيق إلى نفي كون الإجماع من مسالك العلة ، ثم القائلون بأن الإجماع من مسالك العلة لا يشترطون فيه أن يكون قطعيا ، بل يكتفون فيه بالإجماع الظني فزادوا هذا المسلك ضعفا إلى ضعفه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث