الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الثالثة : يستحب للإمام إذا أمكنه أن يشرط على أهل الذمة إذا صولحوا في بلدانهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين ، وشرط الضيافة يكون لجميع الطارقين ، ولا يختص بأهل الفيء ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقيل : في اختصاصهم وجهان ، وهل الضيافة زيادة مقصودة في نفسها أم محسوبة من الجزية ؟ وجهان أصحهما وأشهرهما : أنها زيادة وراء أقل الجزية ، فعلى هذا إن قبلوها ، لزم الوفاء ، وجرت مجرى الزيادة على دينار ، وإن قلنا : إنها من الجزية فعلمنا في آخر السنة أن ما ضيفوا به لا ينقص عن دينار فذاك ، وإن نقص ، لزمهم تتميمه ، وإذا شرطنا الضيافة ، ثم رأى الإمام نقلها إلى الدنانير ، فليس له ذلك على الأصح إلا برضاهم ، فإن ردت إلى الدنانير ، فهل يبقى للمصالح العامة ، أم يختص بأهل الفيء ؟ وجهان ، أصحهما : الاختصاص ، كالدنانير المضروبة ، وتشترط الضيافة على الغني والمتوسط ، وفي الفقير أوجه ، أصحها : لا تشترط عليه ، والثاني : بلى ، والثالث : تشترط على المعتمل دون غيره ويتعرض الإمام عند اشتراط الضيافة لأمور منها : أن يبين عدد أيام الضيافة في الحول ، كمائة يوم أو أقل أو أكثر ، وفي " البحر " أنه لو لم يذكر عدد الأيام في الحول وشرط ثلاثة أيام مثلا عند قدوم كل قوم ، فوجهان ، إن جعلناها جزية ، لم يجز ، وإلا فيجوز .

                                                                                                                                                                        [ ص: 314 ] ومنها : بيان عدد الضيفان من الفرسان والرجالة ، وعن " الحاوي " أن التعرض لعدد الضيفان إنما يشترط إذا جعلنا الضيافة من الجزية ، فإن جعلناها وراءها ، جاز أن لا يبين العدد ، ثم إن تساووا في الجزية ، تساووا في الضيافة ، وإن تفاوتوا ، فاوت بينهم ، فيجعل على الغني ضيافة عشرين مثلا ، وعلى المتوسط عشرة ، والفقير إن قلنا باشتراطها عليه خمسة ، وفي وجه يسوي بينهم في الضيافة ، وإن تفاوتوا في الجزية ، ولو شرط عدد الضيفان على جميعهم ، وقال : تضيفون في كل سنة ألف مسلم ، قال الروياني : يكفي ذلك ، ثم هم يوزعونها أو يتحمل بعضهم عن بعض .

                                                                                                                                                                        ومنها : بيان ذلك الطعام والإدام وجنسهما ، فيقول : لكل واحد كذا من الخبز ، وكذا من السمن أو الزيت ، ويتعرض لعلف الدواب من التبن أو الحشيش أو القت ، ولا يحتاج إلى ذكر قدر العلف ، وإن ذكر الشعير ، بين قدره ، وإطلاق العلف لا يقتضي الشعير ، نص عليه .

                                                                                                                                                                        ومنها : منزل الضيفان من فضول منازلهم أو كنائسهم ، أو بيوت الفقراء الذين لا يضيفون ، وليكن الموضع بحيث يدفع الحر والبرد ، ولا يخرجون أهل المنازل منها .

                                                                                                                                                                        ومنها : أن يبين مدة مقام الضيف ، ولا يزيد على ثلاثة أيام ، وقال ابن كج : يشترط على المتوسط ثلاثة أيام ، والغني ستة . قال الإمام : وإذا حصل التوافق على الزيادة ، فلا منع ، ولا يفرق بين الطبقات في جنس الطعام .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو أراد الضيف أن يأخذ منهم ثمن الطعام ، لم يلزمهم ، ولو أراد أن يأخذ الطعام ويذهب به ولا يأكله ، فله ذلك بخلاف طعام الوليمة ، [ ص: 315 ] لأن هذه معاوضة ، وتلك مكرمة ، ولا يطالبهم بطعام الأيام الثلاثة في اليوم الأول ولو لم يأتوا بطعام اليوم ، فهل للضيف المطالبة من الغد ، إن جعلنا الضيافة محسوبة من الدينار ، فله ذلك ، وإلا فلا . ولا تلزمهم أجرة الطبيب والحمام وثمن الدواء ، ولو تنازعوا في إنزال الضيف ، فالخيار له ، ولو تزاحم الضيفان على ذمي ، فالخيار له ، ولو قل عددهم ، وكثر الضيفان ، فالسابق أحق ، فإن تساووا ، أقرع ، وليكن للضيفان عريف يرتب أمرهم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية