الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
حكم شد الرحال لزيارة قبر الرسول -عليه الصلاة والسلام-

وأما خصوصا؛ كالسفر لزيارة سيد الرسل -صلى الله عليه وسلم-، ففيه مذهبان:

1 - قالت جماعة: هو أيضا مندرج في النهي عن السفر إليها.

2 - وقالت طائفة: إن السفر جائز.

ثم اختلفوا فيها، فقالت طائفة: مستحب، وقالت أخرى: قريبة من الواجب. واستدلوا بأحاديث وردت في فضائل زيارته -صلى الله عليه وسلم-.

وفي الاستدلال بها من وجهين:

الأول: أنه ليس فيها ذكر السفر للزيارة حتى يصح الاحتجاج بها، ونفس الزيارة لا يقول أحد بمنعها، بل هي مستحبة مندوبة، أو سنة صحيحة بالنسبة إلى جميع القبور، فكيف بقبر هو سيد القبور؟!.

والثاني: أن تلك الأحاديث تكلم فيها أهل الحديث، ولم يصح منها إلا شيء يسير حكموا عليه أيضا بالضعف واللين، ولا حجة بالضعاف في مثل هذه المسائل.

وعلى هذا، دخلت زيارة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمر بمطلق زيارة القبور. وحيث إن قبره الشريف، ومرقده الكريم أفضل القبور وأكملها، وأبرك المراقد وأشرفها، لا بد وأن يكون في زيارته لمن حضر المدينة المكرمة مزيد شرف وبركة. والحضور يحصل بطرق:

أحدها: أن الزائر ساكن بها، فالزيارة عليه سهلة.

الثاني: أنه ورد بها ناويا للمسجد الشريف، فإذا حضر المسجد تيسر له الزيارة.

الثالث: أنه كان مكاريا، أو ملازما لأحد في التجارة أو غيرها، وجاء بها [ ص: 549 ] تبعا، وحضرها بالعرض، فعليه أن يزوره -صلى الله عليه وسلم-، ويستشرف بالصلاة عليه والدعاء له. فإن حرم من ذلك، فقد حرم خيرا كثيرا. ولا خلاف بين أهل العلم في سنية زيارته -صلى الله عليه وسلم-، إنما الخلاف في السفر لها، بناء على أنه لم يرد في حديث أصلا، ولم يؤثر عن الصحابة الذين كانوا عشاق حضرته، وخدمة عتبته.

أما ما حكي عن بلال ونحوه في السفر إليها، فقد نص بعض المحققين على وضعه، وأيضا ليس المنام من أحكام الدين في شيء، إنما الحجة في قول الله، وقول الرسول. ولو فرض أن بعض الصحابة سافر لزيارة النبي-صلى الله عليه وسلم- أو لقبر غيره -عليه السلام- لا يكون فعله هذا حجة أصلا، بل ولا قوله، حتى يجمعوا على شيء، وأين الإجماع في المسألة؟ بل إنك لو تصفحت الكتب الآثارية، لم تجد فيها من ذهب إلى هذا، قدر ما تجد منهم ذاهبين إلى رفع اليدين في المواضع الأربعة في الصلاة والجهر بـ «آمين»، وقراءة الفاتحة خلف الإمام، ونحوها من المسائل. والاحتجاج بالوقائع الشاذة النادرة، والأقوال الضعيفة الفاذة، ليس من شأن أهل العلم بالحديث والقرآن. ولهذا ترى كل من ذهب إلى جواز السفر لزيارته -صلى الله عليه وسلم- تمسك بكل حشيش كالغريق، وتشبث بكل نهيق جاء من كل فريق.

وأهل السنة والجماعة ردوا هذه المسألة إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبحثوا عنها، فلم يجدوا في آية من كتاب الله حرفا واحدا له دلالة على السفر لزيارة النبي-صلى الله عليه وسلم- أو زيارة غيره من الأنبياء والأولياء. [ ص: 550 ] بل ليس لهذه المسألة فيه ذكر أصلا، فضلا عن ذكر شد الرحل لها. ولم يجدوا في حديث من الأحاديث أمرا للرسول -صلى الله عليه وسلم- في السفر لزيارته الشريفة، أو لزيارة غيره من أهل الصلاح، أو الفلاح، والعلم، والفضل. بل وجدوا في السنة الصحيحة ما يدل بفحوى الخطاب على المنع من الاجتماع على قبره الشريف، والاجتماع يعم المقيم والمسافر. فإذا كان هذه الجمعية على مضجعه الشريف بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- ممنوعة، فمن ذاك الذي يجوزها على قبر غيره، ويجوز هذا الاجتماع المسمى بالعرس ونحوه عليه، والسفر إليه من شقة بعيدة في مدة مديدة؟!

التالي السابق


الخدمات العلمية