الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        [ ص: 390 ] الثامنة : تقبل رواية التائب من الفسق إلا الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقبل أبدا وإن حسنت طريقته ، كذا قاله أحمد بن حنبل والحميدي شيخ البخاري والصيرفي الشافعي . قال الصيرفي : كل من أسقطنا خبره بكذب لم نعد لقبوله بتوبة ، ومن ضعفناه لم نقوه بعده بخلاف الشهادة ، وقال السمعاني : من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه ، قلت : هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا ، ولا نقوي الفرق بينه وبين الشهادة .

        التالي السابق


        ( الثامنة تقبل رواية التائب من الفسق ) ومن الكذب في غير الحديث النبوي كشهادته ، للآيات والأحاديث الدالة على ذلك ( إلا الكذب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تقبل ) رواية التائب منه ( أبدا وإن حسنت طريقته كذا قاله أحمد بن حنبل و ) أبو بكر ( الحميدي شيخ البخاري و ) أبو بكر ( الصيرفي الشافعي ) ، بل ( قال الصيرفي ) زيادة على ذلك في " شرح الرسالة " ( كل من أسقطنا خبره ) من أهل النقل ( بكذب ) وجدناه عليه ( لم نعد لقبوله بتوبة ) تظهر ( ومن ضعفناه لم نقوه بعده بخلاف الشهادة ) .

        قال المصنف : ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا عليه وزجرا بليغا عن الكذب [ ص: 391 ] عليه صلى الله عليه وسلم ، لعظم مفسدته فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة ، بخلاف الكذب على غيره والشهادة ، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة .

        ( وقال ) أبو المظفر ( السمعاني : من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه ) .

        قال ابن الصلاح : وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي .

        قال المصنف : ( قلت : هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا ولا نقوي الفرق بينه وبين الشهادة ) وكذا قال في شرح مسلم : المختار القطع بصحة توبته وقبول روايته كشهادته ، كالكافر إذا أسلم .

        وأنا أقول : إن كانت الإشارة في قوله هذا كله لقول أحمد والصيرفي والسمعاني فلا والله ما هو بمخالف ولا بعيد ، والحق ما قاله الإمام أحمد تغليظا وزجرا ، وإن كانت لقول الصيرفي بناء على أن قوله : يكذب ، عام في الكذب في الحديث وغيره .

        فقد أجاب عنه العراقي بأن مراد الصيرفي ما قاله أحمد ، أي في الحديث لا مطلقا ، بدليل قوله من أهل النقل ، وتقييده بالمحدث في قوله أيضا في شرح الرسالة ، وليس يطعن على المحدث إلا أن يقول تعمدت الكذب ، فهو كاذب في الأول ولا يقبل خبره بعد ذلك انتهى .

        [ ص: 392 ] وقوله ومن ضعفناه أي بالكذب ، فانتظم مع قول أحمد ، وقد وجدت في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني ، فذكروا في باب اللعان : أن الزاني إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصنا ولا يحد قاذفه بعد ذلك لبقاء ثلمة عرضه ، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا ، وذكروا أنه لو قذف ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد ; لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يفضح أحدا من أول مرة ، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك ، فلم يحد له القاذف .

        وكذلك نقول فيمن تبين كذبه : الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا ، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه فوجب إسقاط الكل ، وهذا واضح بلا شك ، ولم أر أحدا تنبه لما حررته ولله الحمد .



        فائدة

        من الأمور المهمة تحرير الفرق بين الرواية والشهادة ، وقد خاض فيه المتأخرون ، وغاية ما فرقوا به الاختلاف في بعض الأحكام ، كاشتراط العدد وغيره ، وذلك لا يوجب تخالفا في الحقيقة .

        قال القرافي : أقمت مدة أطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام المازري ، فقال : الرواية هي الإخبار عن عام لا ترافع فيه إلى الحكام وخلافه الشهادة ، وأما الأحكام التي يفترقان فيها فكثيرة لم أر من تعرض لجميعها ، وأنا أذكر منها ما تيسر .

        [ ص: 393 ] الأول : العدد ، لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة ، وقد ذكر ابن عبد السلام في مناسبة ذلك أمورا :

        أحدها : أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف شهادة الزور .

        الثاني : أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة ، بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد .

        الثالث : أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية عنه صلى الله عليه وسلم .

        الثاني : لا تشترط الذكورية فيها مطلقا بخلاف الشهادة في بعض المواضع .

        الثالث : لا تشترط الحرية فيها بخلاف الشهادة مطلقا .

        الرابع : لا يشترط فيها البلوغ في قول .

        الخامس : تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية ولو كان داعية ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره إن روى موافقه .

        السادس : تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته .

        السابع : من كذب في حديث واحد رد جميع حديثه السابق ، بخلاف من تبين شهادته للزور في مرة لا ينقض ما شهد به قبل ذلك .

        الثامن : لا تقبل شهادة من جرت شهادته إلى نفسه نفعا أو دفعت عنه ضررا ، وتقبل ممن روى ذلك .

        التاسع : لا تقبل الشهادة لأصل وفرع ورقيق بخلاف الرواية .

        [ ص: 394 ] العاشر والحادي عشر والثاني عشر : الشهادة إنما تصح بدعوى سابقة وطلب لها ، وعند الحاكم بخلاف الرواية في الكل .

        الثالث عشر : للعالم الحكم بعلمه في التعديل والتجريح قطعا مطلقا بخلاف الشهادة ، فإن فيها ثلاثة أقوال : أصحها التفصيل بين حدود الله تعالى وغيرها .

        الرابع عشر : يثبت الجرح والتعديل في الرواية بواحد دون الشهادة على الأصح .

        الخامس عشر : الأصح في الرواية قبول الجرح والتعديل غير مفسر من العالم ولا يقبل الجرح في الشهادة إلا مفسرا .

        السادس عشر : يجوز أخذ الأجرة على الرواية بخلاف أداء الشهادة إلا إذا احتاج إلى مركوب .

        السابع عشر : الحكم بالشهادة تعديل ، بل قال الغزالي : أقوى منه بالقول بخلاف عمل العالم أو فتياه بموافقة المروي على الأصح .

        الثامن عشر : لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا عند تعسر الأصل بموت أو غيبة أو نحوها بخلاف الرواية .

        التاسع عشر : إذا روى شيئا ثم رجع عنه سقط ولا يعمل به ، بخلاف الرجوع عن الشهادة بعد الحكم .

        العشرون : إذا شهدا بموجب قتل ثم رجعا وقالا : تعمدنا ، لزمهما القصاص ، ولو أشكلت حادثة على حاكم فتوقف فروى شخص خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها وقتل الحاكم به رجلا ثم رجع الراوي وقال : كذبت وتعمدت .

        ففي فتاوى البغوي ينبغي أن يجب القصاص ، كالشاهد إذا رجع .

        [ ص: 395 ] قال الرافعي : والذي ذكره القفال في الفتاوى والإمام أنه لا قصاص بخلاف الشهادة ، فإنها تتعلق بالحادثة ، والخبر لا يختص بها .

        الحادي والعشرون : إذا شهد دون أربعة بالزنا حدوا للقذف في الأظهر ، ولا تقبل شهادتهم قبل التوبة ، وفي قبول روايتهم وجهان ، المشهور منها القبول ، ذكره الماوردي في الحاوي ، ونقله عنه ابن الرفعة في " الكفاية " ، والإسنوي في " الألغاز " .




        الخدمات العلمية