الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو أن غلاما أدرك مفسدا ، فلم يرفع أمره إلى القاضي حتى باع شيئا من تركة والده ، وأقر بديون ، ووهب هبات ، وتصدق بصدقات ، ثم رفع أمره إلى القاضي ، فإنه يبطل جميع ذلك ، وهو محجور عليه ، وإن لم يحجر عليه القاضي ، وهذا قول محمد رحمه الله ، فأما عند أبي يوسف رحمه الله ، فهذا كله صحيح منه ما لم يحجر عليه القاضي واستدل محمد على أبي يوسف بمنع المال منه ، فإن الوصي لا يدفع إليه ، ولو لم يكن محجورا عليه قبل حجر القاضي لما منع المال منه ، ومن يقول : لا يدفع إليه ماله لم يكن محجورا عليه قبل حجر القاضي لما منع ، ويكون تصرفه جائزا ، فقد دخل فيما قال الذين لم يروا الحجر شيئا ، فإنا ما احتججنا عليهم إلا بهذا ولم يكن بين هذا القائل وبينهم افتراق في رد الآية يعني قوله تعالى { ، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } ، فإنما عرض في هذا الكلام لأبي حنيفة ، ومن قال بقوله رحمهم الله قال رحمه الله ، وكان شيخنا الإمام رحمه الله يقول : إنه في هذه الكلمات جاوز حد نفسه ، ولم يراع حق الاستناد ، ولأجل هذا لم يبارك له فيه حتى لم يكثر له تفريعه في هذا الكتاب ، ولا في كتاب الوقف ولو كان أبو حنيفة رحمه الله في الأحياء لدمر عليه ، وكل مجرى في الحلائس ، فإن كان هذا المفسد قبض ثمن ما باع ببينة ، ثم رفع ذلك إلى القاضي ، فإنه ينظر فيه فإن رأى ما باع به رغبة أجازه ، وإن كان الثمن قائما جاز بإجازته .

وإن كان ضاع في يده لم يجزه القاضي ; لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء ، وللقاضي أن يأذن للسفيه في التجارة إذا رآه أهلا لذلك ، فكذلك له أن يجيز تصرفه ، وإذا رأى النظر فيه ، فإن كان الثمن قائما بعينه ، والبيع بيع رغبة ، فالنظر في إجازته ، فإذا ضاع الثمن في يده ، فلا نظر له في هذه الإجازة ; لأنه إن أجازه زال ملكه عن العين من غير عوض يسلم له في الحال فإن إجازة البيع إجازة منه بقبض الثمن بمنزلة ما لو باع الفضولي مال إنسان ، وقبض الثمن ، وهلك في يده ، ثم أجاز المالك البيع كان ذلك إجازة منه بقبض الثمن حتى لا يرجع على واحد منهما بشيء ، فهذا كذلك ، فإذا لم يسلم له بعد الإجازة شيء لم يكن في الإجازة نظر له فلا يشتغل القاضي به ، ولا يكون [ ص: 176 ] للمشتري على الثمن الذي ضاع في يد المفسد سبيل ; لأن قبضه كان بتسليم منه ، وتسليطه إياه على ذلك ، فلا يدخل به المقبوض في ضمانه ، وهو في هذا كالذي لم يبلغ وكذلك إن كان قبض الثمن - يدفع المشتري إليه ، فاستهلكه بين يدى الشهود ، ثم رفع إلى القاضي فإنه ينقض بيعه ، ولا يلزم المحجور من الثمن شيء ، وهذا على قول محمد رحمه الله ، فأما عند أبي يوسف رحمه الله ، فيكون هو ضامنا لما استهلك من الثمن .

وللقاضي أن يجيز البيع إن رأى النظر فيه ، وأصله في الصبي المحجور عليه إذا استهلك الوديعة ، أو استهلك شيئا اشتراه ، وإن كان المحجور حين قبض الثمن أنفقه على نفسه نفقة مثله في تلك المدة أو حج به حجة الإسلام ، أو أدى منه زكاة ماله ، أو صنع فيه شيئا مما كان على القاضي أن يصنعه عند طلبه ، ثم دفع إليه نظر فيه ، فإن كان البيع فيه رغبة ، فإن كانت قيمته مثل الثمن الذي أخذه أجاز البيع ، وأبرأ المشتري من الثمن ; لأن هذا التصرف لم يتمكن فيه من معنى الفساد شيء فإنه لو طلبه من القاضي وجب عليه أن يجيبه إلى ذلك ، فإن باشر بنفسه كان على القاضي أن ينفذه ; لأن الحجر لمعنى الفساد ، ففيما لا فساد فيه ، هو كغيره ، والنظر له في تنفيذ هذا التصرف ; لأنه لا يمكنه أن يرفع الأمر إلى القاضي في كل حاجة ، وفي كل وقت لما فيه من الجرح البين عليه ، وإن كان في تصرفه محاباة ، فأبطل القاضي ذلك لم يبطل الثمن عن المحجور عليه ، ولكن القاضي يقضيه من ماله ; لأنه لا فساد فيما صرف المال إليه من حوائجه ، وفيما لا فساد فيه هو كالرشيد ، فيصير المقبوض دينا عليه يصرفه له في حاجته ، وعلى القاضي أن يقضيه من ماله إلا أن يرى أن المحجور عليه لو استقرض من رجل مالا ، فقضى به مهر مثل المرأة قضى القاضي القرض من ماله .

فإن كان استقرضه لذلك ، ثم استهلكه في بعض حاجته لم يكن للمقرض عليه شيء له حال فساده ، ولا بعد ذلك ; لأنه صرف المال إلى وجه التبذير ، والفساد وهو كان محجورا عن ذلك فيكون فيه بمنزلة الذي لم يبلغ ، فأما ما صرفه إلى مهر مثل امرأته فإنما صرفه إلى ما فيه نظر له ، وهو إسقاط الصداق عن ذمته ، وربما كان محبوسا فيه ، أو كانت المرأة تمنع نفسها منه لذلك ، فيصير ذلك دينا عليه يوضحه أن المقرض ممنوع من دفع مال نفسه إليه ليصرفه إلى تبذيره ; لأن فيه إعانة له على الفساد ، فيكون مضيعا ماله بذلك ، وهو مندوب إلى أن يقرضه ليصرفه إلى مهر مثل امرأته ، فلا يكون به مضيعا ماله ، ولو استقرض مالا ، فأنفقه على نفسه نفقة مثله ، ولم يكن القاضي أنفق عليه في تلك المدة أجاز ذلك له ، وقضاه من ماله ; لأنه لا فساد فيما صنعه وإن كان أنفقه بإسراف حسب القاضي للمقرض من ذلك [ ص: 177 ] مثل نفقة المحجور عليه في تلك المدة ، وقضاه من ماله ، وأبطل الزيادة على ذلك ; لأن في مقدور نفقة مثله لا فساد ، وفيما زاد على ذلك معنى الفساد والإسراف ، وإنما جعل هو كالذي لم يبلغ فيما فيه الفساد .

التالي السابق


الخدمات العلمية