الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو قال له : لأقتلنك ، أو لتقطعن يد هذا الرجل ، فقال له ذلك الرجل : قد أذنت لك في القطع ، فاقطعه ، وهو غير مكره لا يسع المكره أن يقطع يده ; لأن هذا من المظالم ، وليس المقصود بالفعل أن يأذن في ذلك شرعا ; لأنه يبذل طرفه لدفع الهلاك عن غيره ، وذلك لا يسعه كما لو رأى مضطرا ، فأراد أن يقطع يد نفسه ليدفعها إليه حتى يأكلها ، ولا يسعه ذلك فهذا مثله ، ولو لم [ ص: 91 ] يوجد الإذن لم يسعه الإقدام على القطع ، فكذلك بعد الإذن ، وإن قطعها ، فلا شيء عليه ، ولا على الذي أكرهه ; لأن القاطع لو لم يكن مكرها ، وقال له إنسان اقطع يدي ، فقطعه لم يلزمه شيء ، فإذا كان القاطع مكرها أولى ، وهذا ; لأن الحق في الطرف لصاحب الطرف ، وقد أسقطه بالإذن في الابتداء ، ولو أسقطه بالعفو في الانتهاء لا يجب شيء ، فكذلك الإذن في الابتداء ، والدليل عليه أن الطرف يسلك به مسلك الأموال من وجه ، وفي الأموال البدل مفيد عامل في الإباحة ، والبدل الذي هو سعته عامل في إسقاط الضمان حتى إذا قال له : أحرق ثوبي هذا لا يباح له أن يفعله ، ولكن لا يلزمه شيء إن فعله ، فكذلك في الطرف البدل المفيد عامل في الإباحة ، وهو إذا وقع في يده أكلة ، فأمر إنسانا أن يقطع يده ، فالبدل الذي هو سعته يكون مسقطا للضمان فيه أيضا ، فلهذا لا يجب على القاطع ، ولا على المكره شيء ، وإن كان صاحب اليد مكرها أيضا من ذلك المكره ، أو من غيره على الإذن في القطع بوعيد تلف ، فالقصاص على المكره ; لأن بسبب الإلجاء يلغو إذنه ، وفعل القطع منسوب إلى المكره ; لأن المكره يصلح أن يكون آلة في ذلك ، فلهذا كان عليه القود .

التالي السابق


الخدمات العلمية