الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        النوع الخامس : الانتفاع بها ، وما في معناه أو يخالفه ، وفيه مسائل :

                                                                                                                                                                        [ ص: 225 ] إحداها : لا يجوز بيع جلد الأضحية ، ولا جعله أجرة للجزار وإن كانت تطوعا ، بل يتصدق به المضحي ، أو يتخذ منه ما ينتفع بعينه من خف

                                                                                                                                                                        [ أو نعل ] أو دلو ، أو فرو ، أو يعيره لغيره ولا يؤجره . وحكى صاحب " التقريب " قولا غريبا : أنه يجوز بيع الجلد ، ويصرف ثمنه مصرف الأضحية ، وحكي وجه : أنه لا يجوز أن ينفرد بالانتفاع بالجلد ؛ لأنه نوع يخالف الانتفاع باللحم ، فيجب التشريك فيه ، كالانتفاع باللحم . والمشهور : الأول . ولا فرق في تحريم البيع ، بين بيعه بشيء ينتفع به في البيت وغيره .

                                                                                                                                                                        الثانية : التصدق بالجلد لا يكفي إذا أوجبنا التصدق بشيء من الأضحية ، والقرن كالجلد .

                                                                                                                                                                        الثالثة : لا يجز صوفها إن كان في بقائه مصلحة ، لدفع حر ، أو برد ، أو كان وقت الذبح قريبا ولم يضر بقاؤه ، وإلا فيجزه ، وله الانتفاع به . والأفضل : التصدق . وفي " التتمة " : أن صوف الهدي يستصحبه ويتصدق به على مساكين الحرم كالولد .

                                                                                                                                                                        الرابعة : إذا ولدت الأضحية أو الهدي المتطوع بهما ، فهو ملكه كالأم . ولو ولدت المعينة بالنذر ابتداء ، تبعها الولد ، سواء كانت حاملا عند التعيين ، أم حملت بعده . فإن ماتت الأم ، بقي الولد أضحية ، كولد المدبرة لا يرتفع تدبيره بموتها . ولو عينها بالنذر على ما في ذمته ، فالصحيح : أن حكم ولدها كولد المعينة بالنذر ابتداء . وفي وجه : لا يتبعها ، بل هو ملك للمضحي أو المهدي ؛ لأن ملك الفقراء غير مستقر في هذه ، فإنها لو عابت عادت إلى ملكه . وفي وجه : يتبعها ما دامت حية . فإن ماتت ، لم يبق حكم الأضحية في الولد . والصحيح : بقاؤه ، والخلاف جار في ولد الأمة المبيعة إذا ماتت في يد البائع . وإذا لم يطق ولد الهدي المشي ، يحمل على أمه أو غيرها ليبلغ الحرم . ثم إذا ذبح الأم والولد ، ففي تفرقة لحمهما أوجه : أحدها : لكل واحد منهما حكم ضحية ، فيتصدق من كل [ ص: 226 ] واحد بشيء ، لأنهما ضحيتان . والثاني : يكفي التصدق من أحدهما ؛ لأنه بعضها . والثالث : لا بد من التصدق من لحم الأم ، لأنها الأصل ، وهذا هو الأصح عند الغزالي . وقال الروياني : الأول : أصح ويشترك الوجهان الأخيران في جواز أكل جميع الولد . ولو ذبحها ، فوجد في بطنها جنينا ، فيحتمل أن يطرد فيه هذا الخلاف ، ويحتمل القطع بأنه بعضها .

                                                                                                                                                                        قلت : ينبغي أن يبنى على الخلاف المعروف ، في أن الحمل له حكم ، وقسط من الثمن ، أم لا ؟ إن قلنا : لا ، فهو بعض كيدها ، وإلا فالظاهر : طرد الخلاف ، ويحتمل القطع بأنه بعض . والأصح على الجملة : أنه يجوز أكل جميعه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        الخامسة : لبن الأضحية والهدي ، لا يحلب إن كان قدر كفاية ولدها . فإن حلبه فنقص الولد ، ضمن النقص . وإن فضل عن ري الولد ، حلب . ثم قال الجمهور : له شربه ؛ لأنه يشق نقله ، ولأنه يستخلف ، بخلاف الولد . وفي وجه : لا يجوز شربه .

                                                                                                                                                                        وقال صاحب " التتمة " : إن لم نجوز أكل لحمها ، لم يشربه ، وينقل لبن الهدي إلى مكة إن تيسر أو أمكن تجفيفه ، وإلا فيتصدق به على الفقراء هناك . وإن جوزنا اللحم شربه .

                                                                                                                                                                        السادسة : يجوز ركوبهما وإركابهما بالعارية ، والحمل عليهما من غير إجحاف . فإن نقصا بذلك ضمن ، ولا تجوز إجارتهما .

                                                                                                                                                                        السابعة : لو اشترى شاة فجعلها ضحية ، ثم وجد بها عيبا قديما ، لم يجز ردها لزوال الملك عنها ، كمن اشترى عبدا فأعتقه ثم علم به عيبا ، لكن يرجع على البائع بالأرش . وفيما يفعل به وجهان : أحدهما : يصرف مصرف الأضحية ، فينظر ، أيمكنه أن يشتري به ضحية أو جزءا ، أم لا ؟ ويعود فيه ما سبق في نظائره ، وفرقوا بينه وبين أرش العيب بعد إعتاق [ ص: 227 ] العبد ، فإنه للذي أعتقه ، بأن المقصود من العتق تكميل الأحكام ، والعيب لا يؤثر فيه . والمقصود من الأضحية اللحم ، ولحم المعيب ناقص . والوجه الثاني : أنه للمضحي ، لا يلزمه صرفه للأضحية ؛ لأن الأرش بسبب سابق للتعيين . وبالوجه الأول قاله الأكثرون ، لكن الثاني أقوى ، ونسبه الإمام إلى المراوزة وقال لا : يصح غيره ، وإليه ذهب ابن الصباغ والغزالي والروياني .

                                                                                                                                                                        قلت : قد نقل في الشامل هذا الثاني عن أصحابنا مطلقا ، ولم يحك فيه خلافا ، فهو الصحيح . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية