الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الشرط الخامس : كون المبيع معلوما . ولا يشترط العلم به من كل وجه ، بل يشترط العلم بعين المبيع وقدره وصفته . أما العين ، فمعناه : أنه لو قال : بعتك عبدا من العبيد ، أو أحد عبدي أو عبيدي هؤلاء ، أو شاة من هذا القطيع ، [ ص: 361 ] فهو باطل . وكذا لو قال : بعتهم ، إلا واحدا ، مبهما . وسواء تساوت قيمة العبيد والشياه ، أم لا ، وسواء قال : ولك الخيار في التعيين ، أم لا . وحكى في " التتمة " قولا قديما : أنه لو قال : بعتك أحد عبيدي ، أو عبيدي الثلاثة ، على أن تختار من شئت في ثلاثة أيام أو أقل ، صح العقد ، وهذا شاذ ضعيف . ولو كان له عبد فاختلط بعبيد لغيره ، فقال : بعتك عبدي من هؤلاء ، والمشتري يراهم ولا يعرف عينه . قال في " التتمة " : له حكم بيع الغائب . وقال صاحب " التهذيب " : عندي أنه باطل .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        بيع الجزء الشائع من كل جملة معلومة ، من دار ، وأرض ، وعبد ، وصبرة ، وثمرة ، وغيرها ، صحيح . لكن لو باع جزءا شائعا من شيء بمثله من ذلك الشيء ، كالدار والفرس ، [ كما إذا كان ] بينهما نصفان ، باع نصفه بنصف صاحبه ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : لا يصح البيع ، لعدم الحاجة إليه . وأصحهما : يصح ، لوجود شرائطه ، وله فوائد :

                                                                                                                                                                        منها : لو كانا جميعا أو أحدهما ملك نصيبه بالهبة من أبيه ، انقطعت ولاية الرجوع .

                                                                                                                                                                        ومنها : لو ملكه بالشراء ، ثم اطلع بعد هذا التصرف على عيب ، لم يملك الرد على بائعه .

                                                                                                                                                                        ومنها : لو ملكته بالصداق ، فطلقها قبل الدخول ، لم يكن له الرجوع فيه .

                                                                                                                                                                        قلت : ولو باع نصفه بالثلث من نصف صاحبه ، ففي صحته الوجهان . أصحهما : الصحة ، ويصير بينهما أثلاثا ، وبهذا قطع صاحب " التقريب " ، واستبعده الإمام . وقد ذكر الإمام الرافعي هذه المسألة في كتاب " الصلح " . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو باع الجملة ، واستثنى منها جزءا شائعا ، جاز . مثاله : بعتك ثمرة هذا البستان ، إلا ربعها وقدر الزكاة منها . ولو قال : بعتك ثمرة هذا البستان بثلاثة [ ص: 362 ] آلاف درهم ، إلا ما يخص ألفا ، فإن أراد ما يخصه إذا وزعت الثمرة على المبلغ المذكور ، صح ، وكان استثناء للثلث . وإن أراد ما يساوي ألفا عند التقويم ، فلا ؛ لأنه مجهول .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        إذا باع أذرعا من أرض أو دار أو ثوب ، فإن كانا يعلمان جملة ذرعانها ، بأن باع ذراعا من عشرة ، ويعلمان أن الجملة عشرة ، صح على الصحيح ، وكأنه باعه العشر . قال الإمام : إلا أن يعني معينا فيبطل ، كشاة من القطيع . ولو اختلفا ، فقال المشتري : أردت الإشاعة ، فالعقد صحيح . وقال البائع : بل أردت معينا ، ففيمن يصدق ؟ احتمالان .

                                                                                                                                                                        قلت : أرجحهما : البائع . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وإن كان أحدهما لا يعلم جملة الذرعان ، لم يصح البيع . ولو وقف على طرف الأرض وقال : بعتك كذا ذراعا من موقفي هذا في جميع العرض إلى حيث ينتهي في الطول ، صح على الأصح .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        إذا قال : بعتك صاعا من هذه الصبرة ، فله حالان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : أن يعلما مبلغ صيعانها فالعقد صحيح قطعا ، وينزل على الإشاعة . ولو كانت الصبرة مائة صاع ، فالمبيع عشر العشر ، فلو تلف بعضها ، تلف بقدره من المبيع . هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . وحكى الإمام في تنزيله وجهين .

                                                                                                                                                                        أحدهما : هذا . والثاني : المبيع صاع من الجملة غير مشاع ، أي صاع كان . فعلى هذا ، يبقى المبيع ما بقي صاع .

                                                                                                                                                                        [ ص: 363 ] الحال الثاني : أن لا يعلما أو أحدها مبلغ صيعانها ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        أحدهما ، وهو اختيار القفال : لا يصح ، كما لو فرق صيعان الصبرة ، وقال : بعتك صاعا منها ، فإنه لا يصح . وأصحهما : يصح وهو المنصوص . وفي فتاوى القفال : أنه كان إذا سئل عن هذه المسألة ، يفتي بهذا الثاني مع ذهابه إلى الأول ، ويقول : المستفتي يستفتيني عن مذهب الشافعي - رضي الله عنه - ، لا عما عندي . وعلى هذا ، المبيع صاع منها ، أي صاع كان . فلو تلف جميعها إلا صاعا ، تعين العقد فيه ، والبائع بالخيار بين أن يسلم صاعا من أعلى الصبرة أو أسفلها وإن لم يكن الأسفل مرئيا ؛ لأن رؤية ظاهر الصبرة كرؤية كلها .

                                                                                                                                                                        قلت : وأما استدلال الأول بأنه لو فرقت صيعانها فباع صاعا لم يصح ، فهكذا قطع به الجمهور . وحكى صاحب " المهذب " في تعليقه في الخلاف عن شيخه القاضي أبي الطيب صحة بيعه ، لعدم الغرر . والصحيح : المنع . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        إبهام ممر الأرض المبيعة ، كإبهام نفس المبيع . وصورته : أن يبيع أرضا محفوفة بملكه من جميع الجوانب ، ويشرط للمشتري حق الممر من جانب ، ولم يعينه ، فالبيع باطل ؛ لاختلاف الغرض بالممر . فإن عين الممر من جانب ، صح البيع . ولو قال : بعتكها بحقوقها ، صح ، وثبت للمشتري حق الممر من كل جانب كما كان ثابتا للبائع قبل البيع . وإن أطلق البيع ولم يتعرض للممر ، فوجهان . أصحهما : يصح ، ويكون كما لو قال : بعتكها بحقوقها . والثاني : أنه لا يقتضي الممر ، فعلى هذا هو كما لو صرح بنفي الممر ، وفيه وجهان . أصحهما : بطلان البيع ، لعدم الانتفاع في الحال ، والثاني : الصحة ؛ لإمكان تحصيل الممر ، وقال في " التهذيب " : إن أمكن تحصيل ممر ، صح البيع ، وإلا ، فلا . ولو [ ص: 364 ] كانت الأرض المبيعة ملاصقة للشارع ، فليس للمشتري سلوك ملك البائع ، فإن العادة في مثلها الدخول من الشارع ، فينزل الأمر عليه . ولو كانت ملاصقة ملك المشتري ، لم يتمكن من المرور فيما بقي للبائع ، بل يدخل من ملكه القديم . وأبدى الإمام فيه احتمالا ، قال : وهذا إذا أطلق البيع ، أما إذا قال : بحقوقها ، فله الممر في ملك البائع . ولو باع دارا واستثنى لنفسه بيتا فله الممر ، فإن نفى الممر ، نظر ، إن أمكن اتخاذ ممر ، صح البيع ، وإلا ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        قلت : أصحهما : البطلان كمن باع ذراعا من ثوب ينقص بالقطع . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية