الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إسلام المتعاقدين ليس بشرط في مطلق التبايع ، لكن لو اشترى كافر عبدا مسلما ، أو اتهبه ، أو أوصي له به ، فقبل ، لم يملكه على الأظهر . قال في " التتمة " : القولان في الوصية ، إذا قلنا : يملكها بالقبول . وإن قلنا بالموت ، ثبت بلا خلاف كالإرث . ولو اشترى مصحفا ، أو شيئا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فالمذهب : القطع بأنه لا يملك . وقيل : على القولين . قال العراقيون : وكتب الفقه التي فيها آثار السلف ، لها حكم المصحف في هذا . وقال صاحب الحاوي : كتب الفقه والحديث يصح بيعها للكافر . وفي أمره بإزالة الملك عنها ، وجهان .

                                                                                                                                                                        قلت : الخلاف في بيع العبد ، والمصحف ، والحديث ، والفقه ، إنما هو في صحة العقد ، مع أنه حرام بلا خلاف . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وإذا قلنا : لا يصح شراء الكافر عبدا مسلما ، فاشترى من يعتق عليه كأبيه وابنه ، صح على الأصح . ويجري الوجهان في كل شراء يستعقب عتقا ، كقول الكافر لمسلم : أعتق عبدك المسلم عني بعوض أو بغير عوض ، وإجابته ، وكما إذا أقر بحرية عبد مسلم في يد غيره ثم اشتراه . ورتب الإمام الخلاف في هاتين الصورتين على شراء القريب . وقال : الأولى أولى بالصحة ؛ لأن الملك فيها ضمني ، والثانية أولى بالمنع ؛ لأن العتق فيها وإن حكم به ، فهو ظاهر غير محقق ، بخلاف القريب . ولو اشترى الكافر عبدا مسلما بشرط الإعتاق ، وصححنا الشراء بهذا [ ص: 347 ] الشرط ، فهو كما لو اشتراه مطلقا ؛ لأن العتق لا يحصل بنفس الشراء . وقيل : هو كشراء القريب .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        يجوز أن يستأجر الكافر مسلما على عمل في الذمة ، كدين في ذمته . ويجوز أن يستأجره بعينه على الأصح ، حرا كان أو عبدا . فعلى هذا ، هل يؤمر بإزالة ملكه عن المنافع ، بأن يؤجره مسلما ؟ وجهان . قطع الشيخ أبو حامد : بأنه يؤمر .

                                                                                                                                                                        قلت : وإذا صححنا إجارة عينه ، فهي مكروهة ، نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وفي ارتهانه العبد المسلم ، وجهان . ويجوز إعارة العبد المسلم لكافر قطعا . وكذا إيداعه عنده .

                                                                                                                                                                        قلت : الأصح : صحة ارتهانه العبد المسلم والمصحف ، ويسلم إلى عدل . وفي الإعارة وجه : أنها لا تجوز ، وبه جزم صاحب " المهذب " و " التنبيه " والجرجاني : وهو ضعيف . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        لو باع الكافر عبدا مسلما - ورثه ، أو أسلم عنده - بثوب ، ثم وجد بالثوب عيبا ، فالمذهب : أنه له رد الثوب بالعيب . وهل له استرداد العبد ؟ وجهان . أصحهما : له ذلك . والثاني : لا ، بل يسترد قيمته ؛ لأنه كالهالك . وطرد الإمام والغزالي ، الوجهين في جواز رد الثوب . والصواب : الأول ، وبه قطع في [ ص: 348 ] التهذيب وغيره . ولو وجد مشتري العبد به عيبا ، ففي رده واسترداده الثوب طريقان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : القطع بالجواز . والثاني : على الوجهين . ولو باع الكافر العبد المسلم ، ثم تقايلا ، فإن قلنا : الإقالة بيع ، لم ينفذ ، وإن قلنا : فسخ ، فعلى الوجهين في الرد بالعيب .

                                                                                                                                                                        فرع : ولو وكل كافر مسلما ليشتري عبدا مسلما ، لم يصح ؛ لأن العقد يقع للموكل أولا ، وينتقل إليه آخرا ولو وكل مسلم كافرا ليشتري له عبدا مسلما ، فإن سمى الموكل في الشراء ، صح ، وإلا ، فإن قلنا : يقع الملك للوكيل أولا ، لم يصح : وإن قلنا : يقع للموكل ، صح .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        لو اشترى كافر مرتدا ، فوجهان ، لبقاء علقة الإسلام كالوجهين في قتل المرتد بذمي .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        لو اشترى كافر كافرا ، فأسلم قبل قبضه ، فهل يبطل البيع كمن اشترى عصيرا فتخمر قبل قبضه ، أم لا كمن اشترى عبدا فأبق قبل قبضه ؟ وجهان . فإن قلنا : لا يبطل ، فهل يقبضه المشتري ، أم ينصب الحاكم من يقبض عنه ثم يأمره بإزالة الملك ؟ وجهان . وقطع القفال في فتاويه : بأنه لا يبطل ، ويقبضه الحاكم ، وهذا أصح .

                                                                                                                                                                        [ ص: 349 ] فرع :

                                                                                                                                                                        جميع ما سبق ، تفريع على قول المنع . أما إذا صححنا شراءه ، فإن علم الحاكم به قبل القبض ، فيمكنه من القبض ، أم ينصب من يقبضه ؟ فيه الوجهان . وإذا حصل القبض ، أو علم به بعد قبضه ، أمر بإزالة الملك فيه ، كما نذكره في الفرع بعده إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        إذا كان في يد الكافر عبد ، فأسلم ، لم يزل ملكه عنه ، ولكن لا يقر في يده ، بل يؤمر بإزالة ملكه عنه ، ببيع ، أو هبة ، أو عتق ، أو غيرها . ولا يكفي الرهن والتزويج ، والإجارة ، والحيلولة ، وتكفي الكتابة على الأصح ، وتكون كتابة صحيحة . وإن قلنا : لا تكفي ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : أنها كتابة فاسدة ، فيباع العبد .

                                                                                                                                                                        والثاني : صحيحة . ثم إن جوزنا بيع المكاتب ، بيع مكاتبا ، وإلا ، فسخت الكتابة والبيع . ولو امتنع من إزالة ملكه ، باعه الحاكم عليه بثمن المثل ، كما يبيع مال من امتنع من أداء الحق . فإن لم يجد مشتريا بثمن المثل ، صبر وحال بينه وبينه ، ويستكسب له ، وتؤخذ نفقته منه . ولو أسلمت مستولدة كافر ، فلا سبيل إلى نقلها إلى غيره بالبيع والهبة ونحوهما على المذهب . وهل يجبر على إعتاقها ؟ وجهان . الصحيح : لا يجبر ، بل يحال بينهما وينفق عليها وتستكسب له في يد مسلم . ولو مات كافر أسلم عبد في يده ، صار لوارثه ، وأمر بما كان يؤمر به مورثه ، فإن امتثل ، وإلا ، بيع عليه .

                                                                                                                                                                        [ ص: 350 ] قلت : قال المحاملي في كتابه " اللباب " : لا يدخل عبد مسلم في ملك كافر ابتداء ، إلا في ست مسائل :

                                                                                                                                                                        إحداها : بالإرث .

                                                                                                                                                                        الثانية : يسترجعه بإفلاس المشتري .

                                                                                                                                                                        الثالثة : يرجع في هبته لولده .

                                                                                                                                                                        الرابعة : إذا رد عليه بعيب .

                                                                                                                                                                        الخامسة : إذا قال لمسلم : أعتق عبدك عني ، فأعتقه وصححناه .

                                                                                                                                                                        السادسة : إذا كاتب عبده الكافر ، فأسلم العبد ، ثم عجز عن النجوم ، فله تعجيزه ، وهذه السادسة فيها تساهل ، فإن المكاتب لا يزول الملك فيه ليتجدد بالتعجيز .

                                                                                                                                                                        وترك سابعة ، وهي : إذا اشترى من يعتق عليه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية