الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              1950 باب من يصبح صائما متطوعا، ثم يفطر

                                                                                                                              وقال النووي : ( باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.

                                                                                                                              وجواز فطر الصائم نفلا، من غير عذر. والأولى إتمامه ).

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 34 ج 8 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن عائشة (أم المؤمنين ) قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات [ ص: 160 ] يوم، فقال: "هل عندكم شيء ؟ " فقلنا: لا. قال: "فإني إذن صائم ". ثم أتانا يوما آخر، فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس. فقال: "أرينيه، فلقد أصبحت صائما" فأكل. ]

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              " الحيس" بفتح الحاء المهملة، هو التمر مع السمن والأقط.

                                                                                                                              وقال الهروي: (ثريدة ) من أخلاط. والأول هو المشهور.

                                                                                                                              قال النووي : فيه دليل لمذهب الجمهور ؛ أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار، قبل زوال الشمس،

                                                                                                                              ويتأوله الآخرون ؛ على أن سؤاله صلى الله عليه وسلم: " هل عندكم شيء ؟" لكونه ضعف عن الصوم، وكان نواه من الليل، فأراد ( الفطر ) للضعف.

                                                                                                                              قال: وهذا تأويل فاسد، وتكلف بعيد.

                                                                                                                              وفي الرواية الثانية: التصريح بالدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه:

                                                                                                                              أن صوم النافلة ؛ يجوز قطعه والأكل في أثناء النهار، ويبطل الصوم لأنه نفل، فهو إلى خيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام.

                                                                                                                              وممن قال بهذا: جماعة من الصحابة، وأحمد، وإسحاق، وآخرون.

                                                                                                                              ولكنهم كلهم والشافعي معهم، متفقون على استحباب إتمامه.

                                                                                                                              [ ص: 161 ] وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز قطعه. ويأثم بذلك.

                                                                                                                              وبه قال الحسن البصري، ومكحول، والنخعي. وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر.

                                                                                                                              قال ابن عبد البر: وأجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر. والله أعلم. انتهى.

                                                                                                                              وأقول: حديث الباب حجة على كل من يقول بخلاف ظاهره، الذي هو أوضح من كل واضح.

                                                                                                                              وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره: أن سلمان أمر أبا الدرداء ؛ أن يفطر عن صوم كان متطوعا فيه، في قصة قال في آخرها: فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق سلمان".

                                                                                                                              وأخرج أحمد، والترمذي، والدارقطني، و البيهقي ، والطبراني: ( أنه صلى الله عليه وسلم قال لأم هانئ: " المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام. وإن شاء أفطر " ).

                                                                                                                              وفي إسناده: ( سماك بن حرب )، وفيه مقال.

                                                                                                                              وأخرج أبو داود والنسائي عن عائشة: ( أنه أهدي لحفصة طعام [ ص: 162 ] وكانتا صائمتين، فأفطرتا. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، فقال: "لا عليكما. صوما مكانه يوما آخر". )

                                                                                                                              وفي إسناده: (زميل ) وفيه مقال.

                                                                                                                              وحديث عائشة هذا أخرجه أهل السنن أيضا. وزاد النسائي فيه: (ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما مثل المتطوع، مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها". )

                                                                                                                              وأخرج أحمد، وأبو داود، في رواية من حديث أم هانئ المتقدم: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شرابا، فناولها تشرب فقالت: إني صائمة، ولكن كرهت أن أرد سؤرك. فقال: " إن كان قضاء من (رمضان ) فاقضي يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضي، وإن شئت فلا تقضي ". )

                                                                                                                              قال في ( السيل الجرار ): فيه: دليل على جواز إفطار القاضي. ويقضي يوما مكانه. وإن كان فيه المقال المتقدم.

                                                                                                                              ولكن الدليل على من قال: إنه لا يجوز إفطار القاضي. انتهى.

                                                                                                                              [ ص: 163 ] والحاصل: أن المتطوع في الصوم أمير نفسه ؛ إن شاء صام، وإن شاء أفطر. وإن شاء قضى، وإن شاء لم يقض.




                                                                                                                              الخدمات العلمية