الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      واختلف الأولون في أنه هل يفيد الحصر بالمنطوق أو المفهوم ؟ فذهب [ ص: 185 ] الإمام الرازي ومن تبعه إلى الأول ، واستدل في " المطالب العالية " على أن الله خالق لأفعال العباد بقوله تعالى : { هو الله الخالق } قال : وهذا التركيب يفيد الحصر .

                                                      وذهب الغزالي وبعض الفقهاء إلى الثاني . قال الغزالي : وإنما أفاد الحصر ، لأن المبتدأ يجوز أن يكون أخص من الخبر أو مساويا ، ويمتنع أن يكون أعم لغة وعقلا ، فلا يجوز : الحيوان إنسان ، ولا : الزوج عشرة ، بل : الإنسان حيوان ، والعشرة زوج . والعرب لم تتبع إلا الصدق ، والمساوي يجب أن يكون محصورا في مساويه . والأخص محصورا في أعمه . وإلا لم يكن أخص ، ولا مساويا . قالوا : فلو لم تقتض الحصر لزم أن يكون المبتدأ أعم من الخبر ، وهو غير جائز . بيانه : أنا إذا قلنا : العالم زيد ، فالألف واللام ليست للجنس قطعا ولا للعهد ، فتعين . أن تكون لماهية العالم ، وتلك الماهية إما أن تكون موجودة في غير زيد أو لا ، فإن لم تكن انحصرت العالمية في زيد وهو المطلوب ، وإن كانت موجودة في غيره فتكون أعم من زيد ، وزيد أخص منها . وقد أخبرتم عنها فلزم الإخبار بالأعم عن الأخص ، كما ادعينا .

                                                      قيل : وهذا الدليل إنما يتم بجعل العالم مخبرا عنه . وزيد مخبرا به . أما لو جعل العالم خبرا مقدما على المخبر عنه ، فحينئذ لا فرق بين : العالم زيد ، وزيد العالم . ثم نقول : العالم زيد يفيد الحصر ، وأيضا لو جعل الألف واللام في العالم للمعهود ، وهي معنى الكامل والمشتهر في العالمية ، فحينئذ يفيد المبالغة ، ولا يفيد الحصر . هذا إذا كان المبتدأ والخبر معرفتين ، وقد خيرنا فيهما ، أما إذا كان المبتدأ معرفة والخبر نكرة ، نحو : زيد قائم ، فلا حصر فيها قطعا ، فإنه لا ينحصر زيد في القيام قطعا .

                                                      وقال العبدري : ما ذكره الغزالي من أنه لا يجوز : صديقي زيد ، فليس [ ص: 186 ] بصحيح ، بل هو جائز ، ويكون المبتدأ لفظا خاصا لا عاما ، وإنما أوقعه في هذا الغلط كون الصداقة لفظا عاما . نعم ، هو عام إذا انفرد فلم يقع خبرا ولا مبتدأ ولا صفة ، فيقال : " صديقي " يصلح للخبرية عن واحد وعن أكثر ، فإذا وصف به موصوف أو أخبر به عن مبتدأ كان مفردا إذا كان المبتدأ أو الموصوف مفردا . فإن كان المبتدأ أو الموصوف مثنى أو جمعا كان هو كذلك ، ويدل عليه الضمائر المقدرة فيه ، فإنما تقدر على وفق من تعود عليه . مثاله : زيد صديقي هو ، والزيدان صديقي هما ، والزيدون صديقي هم .

                                                      وقال ابن الحاجب في أماليه : زعم إمام الحرمين أنك إن أخرت صديقي كانت الصداقة غير محصورة في زيد ، وإن قدمته كانت محصورة فيه ، وكلامه يشعر بأنه خبر في الجملتين جميعا . وقال غيره هذا القول ، وزعم أيهما قدم فهو المبتدأ . وقال قوم : باستواء التقديم والتأخير .

                                                      ووجه قوم قول الإمام : إن " صديقي " مقتض للخبرية ، لإفادته النسبة إلى زيد ، فإذا كان خبرا وأخرته لم يلزم الحصر لجواز أن يكون الخبر أعم ، كقولك : زيد عالم ، فإذا قدمته مع كونه خبرا فلم تقدمه إلا لغرض ، ولا غرض إلا قصد الحصر .

                                                      ووجه القول الثاني : أن المعرفتين إذا اجتمعا كان أسبقهما المبتدأ ، فإذا قلت : زيد صديقي ، فلا حصر لجواز عموم الخبر ، وإذا قلت : صديقي زيد أفاد الحصر ، لأن المبتدأ صديقي ، فلو قدرت الخبر عاما لم يستقم ، فلا بد من مطابقته ، وأن لا صديق سواه . قال ابن الحاجب : وليس القولان بقويين .

                                                      والدليل على القول الثالث : أن المعرفتين إذا اجتمعا فالمقدم هو المبتدأ [ ص: 187 ] مذكور في موضعه ، وحينئذ : فقولك : صديقي زيد أو زيد صديقي ، إما أن تريد بالصديق معهودا أو عموم الأصدقاء ، فإن قصد واحدا ، وقدم زيدا أو أخره فالمعنى واحد ، وإن قصد عموم الأصدقاء وقدم زيدا أو أخره ، وجب العموم . فإذا قلت : صديقي زيد ، أي إن كل صداقة لي محصورة في زيد ، أو زيد صديقي ، فزيد هو المخبر عنه ، لا صديق سواه ، وجب الحصر فيهما جميعا ، ولو سلم تعيين " صديقي " للخبرية كما قاله الإمام فالمعنى فيهما واحد ، فإنه إن أريد الخاص فلا عموم في التقديم أو التأخير أو أريد المعنى فالمعنى واحد ، قدم أو أخر . وإنما فهم التغاير لتنزيله منزلة : العالم زيد ، وليس هو نظيره .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية