الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      الموطن الخامس : أن مورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها فقط لا واحد من طرفيها . فهما يتوجهان إلى خبر المبتدأ لا إلى صفته ، فإذا كذبت القائل في قوله : زيد بن عمرو كريم ، فإن التكذيب لا يتوجه إلى كونه ابن عمرو ، بل إلى كونه كريما ; لأن الصفة ثابتة حال النفي ثبوتها حال الإثبات ، ولأن علم المخاطب بثبوت الصفة للموصوف ليس لإثبات المتكلم إياها له ، وأن الاحتياج إلى ذكرها لإزالة اللبس ، فيلزم أن تكون معلومة للمخاطب ، وإلا فلا يحصل التمييز ، وإذا كانت معلومة للمخاطب ، فلا يقصدها المتكلم بإخباره إياها ، والتصديق والتكذيب إنما يتوجهان إلى ما يقصده المتكلم لا إلى ما لا يقصده ، فإذا قيل : قام زيد ، فقيل : صدق أو كذب ، انصرف ذلك إلى قيام زيد ، لا إلى ذلك المشار إليه بالقيام ، هل اسمه زيد أو عمرو ، وتظهر فائدة هذا فيما لو كان مختلفا في اسمه ، فلا يستفاد من ذلك أنك حاكم بأن ذلك اسمه بهذه الصفة ، ولهذه القضية استشكل قراءة من قرأ : { وقالت اليهود عزير ابن الله } بإسقاط التنوين على أن الابن صفة ; لأن التقدير حينئذ هو عزير ابن الله ، أو عزير ابن الله إلهنا ، إما بحذف المبتدأ أو الخبر ، وهو خطأ ; لأنه إذا أخبر عن مبتدأ موصوف ، أو عن موصوف غير المبتدأ ، فإن الكذب ينصرف إلى الخبر ، وتبقى الصفة على أصل الثبوت ، فحينئذ يبقى كونه ابنا لله ثابتا ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . [ ص: 87 ]

                                                      والذي يقال في توجيه هذه القراءة : أن هذا الكلام سبق لنفي إلهية مثل هذا ; بل بين جهلهم إذ ادعوا الولدية فيه ، ولا ريب أن دعوى الشرط أسهل من إثبات الولدية له ، أو على طريق الحكاية ، أي قالوا : هذه العبارة المنكرة ، ولم يتعرض لما قالوا خبرا عنها ، فلا يقدر هناك محذوف أصلا ، أو غير ذلك كما بينته في كتاب البرهان في علوم القرآن ، ولهذه القاعدة قال مالك وبعض أصحابنا فيما إذا شهد شاهدان بأن فلان بن فلان وكيل فلان : إن شهادتهما بالتوكيل لا يستفاد منها أنهما شهدا بالبنوة ، فليس له إن نوزع في محاكمة أخرى في البنوة أن يقول : هذان شهدا لي بالبنوة لقولهما في شهادة التوكيل : إن فلان بن فلان ، لكن الصحيح عند أصحابنا أنها شهادة له بالوكالة أصلا وبالنسبة ضمنا ، ذكره الماوردي في الحاوي " في باب التحفظ في الشهادة والعلم بها ، وكذلك الروياني في البحر " والهروي في الأشراف " . فإن قلت : فهذا يشكل على هذا الأصل قلت : لا إشكال ; لأنا لما صدقنا الشاهدين كان قولهما متضمنا لذلك . نعم ، احتج الشافعي على صحة أنكحة الكفار بقوله { امرأة فرعون } وبقوله : { وامرأته حمالة الحطب } . فقال ما معناه سمى كلا منهما امرأة لكافر ، ولفظ الشارع محمول على الشرعي ، فدل على أن كلا منهما زوجة لهما ، فعلى هذا يتوجه صدق الخبر للطرفين والنسبة .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية