الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون

[ ص: 69 ] قالت فرقة: أراد بالغيب الآخرة وبالشهادة الدنيا، وقيل: أراد بالغيب ما غاب عن المخلوقين، وبالشهادة ما شوهد من الأشياء، فكأنه حصر بهذه الألفاظ جميع الأشياء.

وقرأ جمهور الناس: "خلقه" بفتح اللام على أنه فعل ماض، ومعنى "أحسن": أتقن وأحكم، فهو حسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها، ومن هذا المعنى ما قال ابن عباس ، وعكرمة : ليست است القرد بحسنة ولكنها متقنة محكمة. والجملة في "خلقه" يحتمل أن تكون في موضع نصب صفة لـ"كل"، أو في موضع خفض صفة لـ"شيء". وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر : "خلقه" بسكون اللام، وذلك منصوب على المصدر، والضمير فيه إما عائد على الله تعالى، وإما على المفعول، ويصح أن يكون بدلا من "كل"، وذهب بعض الناس - على هذه القراءة - إلى أن "أحسن" معناها: ألهم، وأن هذه الآية بمعنى قوله: أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، أي ألهم الرجل إلى المرأة، والجمل إلى الناقة، وهذا قول فيه بعد، ورجحه الطبري .

وقرأ جمهور الناس: "وبدأ"، وقرأ الزهري : "وبدا خلق الإنسان" بألف دون همز، وبنصب القاف، قال أبو الفتح: ذلك على البدل لا على التخفيف.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

كأنه أبدل الألف من الهمزة، وبدي لغة الأنصار، وقال ابن رواحة :


باسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا



و"الإنسان": آدم، عدد أمره على بنيه; إذ خلقه خلق لهم; من حيث هو منسل لهم. و"النسل": ما يكون عن الحيوان من الولد، كأنه مأخوذ من: "نسل الشيء" إذا [ ص: 70 ] خرج من موضعه، ومنه قوله تبارك وتعالى: وهم من كل حدب ينسلون ، ومنه: "نسل ريش الطائر" إذا تساقط. و"السلالة" من: سل يسل; فكأن الماء يسل من الإنسان، ومن ذلك قول الشاعر:


فجاءت به عضب الأديم غضنفرا ...     سلالة فرج كان غير حصين



و"المهين": الضعيف، يقال: "مهن الإنسان" إذا ضعف وذل.

وقوله تعالى: "نفخ" عبارة عن إفاضة الروح في جسد ابن آدم، والضمير في "روحه" لله تعالى، وهي إضافة ملك إلى مالك ، وخلق إلى خالق. ثم أظهر تعديد النعم عليهم في أن خصهم في قوله: "لكم" (بضمير) السمع والأبصار والأفئدة، وهي لمن تقدم ذكره أيضا. كما خص آدم بالتسوية ونفخ الروح، وهو لجميع ذريته، وهذا كله إيجاز واقتضاب وترك لما يدل عليه المنطوق به. ويحتمل أن يكون "الإنسان" في هذه الآية اسم جنس. وقوله تعالى: "قليلا" صفة لمصدر محذوف، وهو في موضع الحال حين حذف الموصوف به.

والضمير في "قالوا" للكفار الجاحدين البعث من القبور، والمستبعدين لذلك دون [ ص: 71 ] حجة ولا دليل، وموضع "أئذا" نصب بما في قوله: أإنا لفي خلق جديد ; لأن معناه: لنعاد. واختلف القراء في "أئذا"، وقد تقدم استيعاب ذكره في غير هذا الموضع.

وقرأ جمهور القراء: "ضللنا" بفتح اللام، وقرأ ابن عامر ، وأبو رجاء ، وطلحة ، وابن وثاب : "ضللنا" بكسر اللام، والمعنى: تلفنا وتقطعت أوصالنا فذهبنا حتى لم نوجد، ومنه قول الأخطل :


كنت القذى في موج أكدر مزبد ...     قذف الأتي به فضل ضلالا



ومنه قول النابغة :


فآب مضلوه بعين جلية ...     وغودر بالجولان حزم ونائل



أي: متلفوه دفنا، ومنه قول امرئ القيس:

[ ص: 72 ]

تضل المداري في مثنى ومرسل



وقرأ الحسن البصري : "صللنا" بالصاد غير منقوطة وفتح اللام، قال الفراء : ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومعناه: صرنا من الصلة، وهي الأرض اليابسة الصلبة، ويجوز أن يريد به: من التغير، كما يقال: "صل اللحم"، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأبان بن سعيد بن العاص ، وقرأ الحسن أيضا: "صللنا" بالصاد غير منقوطة وكسر اللام، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو حيوة: "ضللنا". بضم الضاد وكسر اللام وشدها.

وقولهم: أإنا لفي خلق جديد ، أي: أئنا لفي هذه الحالة نعاد ويجدد خلقنا. وقوله تعالى: "بل" إضراب عن معنى استفهامهم، كأنه قال: ليسوا مستفهمين، بل هم كافرون جاحدون بلقاء الله تعالى.

[ ص: 73 ] ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بجملة الحال غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت تفقد روح الإنسان إلى الوقت الذي يعود فيه إلى ربه، فجمع الغايتين الأولى والآخرة، و"يتوفاكم" معناه: يستوفيكم، ومنه قول الشاعر:


إن بني الأردم ليسوا من أحد ...     ولا توفاهم قريش في العدد



و ملك الموت اسمه عزرائيل، وتصرفه كله بأمر الله تعالى وخلقه واختراعه، وروي في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله روحها دون ملك.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

كأنه يعدم حياتها، وكذلك الأمر في بني آدم; إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم، وكذلك أيضا غلظ العذاب على الكافرين بذلك. وروي عن مجاهد : أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث أمر.

التالي السابق


الخدمات العلمية