الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        المسألة الثامنة : في أقل الجمع

                        اختلفوا في أقل الجمع ، وليس النزاع في لفظ الجمع المركب من الجيم ، والميم ، والعين ، كما ذكر ذلك إمام الحرمين الجويني ، وإلكيا الهراس ، وسليم الرازي فإن ( جمع ) موضوعها يقتضي ضم شيء إلى شيء ، وذلك حاصل في الاثنين ، والثلاثة ، وما زاد على ذلك بلا خلاف .

                        قال سليم الرازي : بل قد يقع على الواحد ، كما يقال : جمعت الثوب بعضه إلى بعض ، قال الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني : لفظ الجمع في اللغة له معنيان ، الجمع من حيث الفعل المشتق منه ، الذي هو مصدر جمع يجمع جمعا ، والجمع الذي هو لقب ، وهو اسم العدد ، قال : وبعض من لم يهتد إلى هذا الفرق خلط الباب ، فظن أن الجمع الذي هو بمعنى اللقب من جملة الجمع الذي هو بمعنى الفعل ، فقال : إذا كان الجمع بمعنى الضم ، فالواحد إذا أضيف إلى الواحد فقد جمع بينهما ، فوجب أن يكون جمعا ، وثبت أن الاثنين أقل الجمع ، وخالف بهذا القول جميع أهل اللغة ، وسائر أهل العلم .

                        وذكر إمام الحرمين الجويني أن الخلاف ليس في مدلول مثل قوله فقد صغت قلوبكما وقول القائل ضربت رءوس الرجلين ، وقطعت بطونهما ، بل الخلاف في الصيغ الموضوعة للجمع سواء كان للسلامة أو للتكسير ، وذكر مثل هذا الأستاذ أبو منصور ، والغزالي .

                        إذا عرفت هذا ، ففي أقل الجمع مذاهب :

                        [ ص: 363 ] الأول : أن أقله اثنان ، وهو المروي عن عمر ، وزيد بن ثابت ، وحكاه عبد الوهاب عن الأشعري ، وابن الماجشون .

                        قال الباجي : وهو قول القاضي أبي بكر بن العربي ، وحكاه ابن خويز منداد ، عن مالك ، واختاره الباجي ، ونقله صاحب المصادر عن القاضي أبي يوسف ، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر ، وحكاه ابن الدهان النحوي عن محمد بن داود ، وأبي يوسف ، والخليل ، ونفطويه .

                        قال : وسأل سيبويه الخليل ، فقال : الاثنان جمع .

                        وعن ثعلب أن التثنية جمع عند أهل اللغة ، واختاره الغزالي .

                        واستدلوا بقوله سبحانه قالوا ياموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ; لأنهم طلبوا إلها مع الله ، ثم قالوا : كما لهم آلهة ، فدل على أنه إذا صار لهم إلهان صاروا بمنزلة الآلهة .

                        واستدلوا أيضا بقوله تعالى : فإن كان له إخوة فأطلق الإخوة ، والمراد أخوان فما فوقهما إجماعا .

                        وأجيب : بأن ورود ذلك للاثنين مجاز ، كما يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال لعثمان : ليس الأخوان إخوة في لسان قومك ، فقال عثمان : لا أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ، أخرجه ابن خزيمة ، والحاكم ، وصححه ، وابن [ ص: 364 ] عبد البر ، والبيهقي فلم ينكر ذلك عثمان ، بل عدل إلى التأويل ، وهو الحمل على خلاف الظاهر بالإجماع .

                        وبمثل هذا يجاب عما استدلوا به من قوله تعالى : إنا معكم مستمعون ، والمراد موسى ، وهارون .

                        وأيضا قد قيل بمنع كون المراد موسى ، وهارون فقط بل هما مع فرعون .

                        وأما استدلالهم بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الاثنان فما فوقهما جماعة فهو استدلال خارج عن محل النزاع ; لأنه لم يقل : الاثنان فما فوقهما جمع ، بل قال جماعة ، يعني أنهما تنعقد بهما صلاة الجماعة .

                        المذهب الثاني : أن أقل الجمع ثلاثة ، وبه قال الجمهور ، وحكاه ابن الدهان النحوي عن جمهور النحاة ، وقال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه : إنه مذهب سيبويه ، وهذا هو القول الحق الذي عليه أهل اللغة ، والشرع ، وهو السابق إلى الفهم عند إطلاق الجمع ، والسبق [ ص: 365 ] دليل الحقيقة ، ولم يتمسك من خالفه بشيء يصلح للاستدلال به .

                        المذهب الثالث : أن أقل الجمع واحد ، هكذا حكاه بعض أهل الأصول ، وأخذه من كلام إمام الحرمين ، وقد ذكر ابن فارس في فقه العربية صحة إطلاق الجمع ، وإرادة الواحد ، ومثله قوله تعالى : فناظرة بم يرجع المرسلون وهو واحد بدليل قوله فلما جاء سليمان ، قال الزمخشري في قوله كذبت قوم نوح المرسلين المراد بالمرسلين نوح ، قال القفال الشاشي في كتابه في الأصول بعد ذكر الأدلة ، وقد يستوي حكم التثنية ، وما دونها بدليل كالمخاطب للواحد بلفظ الجمع في قوله قال رب ارجعون ، وإنا له لحافظون ، وقد تقول العرب للواحد : افعلا ، افعلوا ، وهو ظاهر في أن ذلك مجاز ، وظاهر كلام الغزالي أنه مجاز بالاتفاق ، وذكر المازري أن القاضي أبا بكر حكى الاتفاق على أنه مجاز ، ولم يأت من ذهب إلى أنه حقيقة بشيء يعتد به أصلا بل جاء باستعمالات وقعت في الكتاب العزيز ، وفي كلام العرب خارجة على طريقة المجاز ، كما تقدم ، وليس النزاع في جواز التجوز بلفظ الجمع عن الواحد أو الاثنين ، بل النزاع في كون ذلك معناه حقيقة .

                        المذهب الرابع : الوقف ، حكاه الأصفهاني في شرح المحصول عن الآمدي ، قال الزركشي ، وفي ثبوته نظر ، وإنما أشعر به كلام الآمدي فإنه قال في آخر المسألة ، وإذا عرف مأخذ الجمع من الجانبين ، فعلى الناظر الاجتهاد في الترجيح ، وإلا فالوقف لازم . هذا كلام ومجرد هذا لا يكفي في حكايته مذهبا . انتهى .

                        ولا يخفاك أن هذا الموطن ليس من مواطن الوقف ، فإن موطنه إذا توازنت الأدلة موازنة يصعب الترجيح بينها ، وأما مثل هذه المسألة فلم يأت من خالف الجمهور بشيء يصدق عليه اسم الدليل ، فضلا عن أن يكون صالحا لموازنة ما يخالفه .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية