الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الرواية من النسخ التي إسنادها واحد .


( 661 ) والنسخ التي بإسناد قط تجديده في كل متن أحوط      ( 662 ) والأغلب البدء به ويذكر
ما بعده مع وبه والأكثر      ( 663 ) جوز أن يفرد بعضا بالسند
لآخذ كذا والإفصاح أسد      ( 664 ) ومن يعيد سند الكتاب مع
آخره احتاط وخلفا ما رفع

[ تجديد الإسناد عند كل حديث من أحاديث النسخ ] :

الفصل التاسع : ( الرواية من ) أثناء ( النسخ التي إسنادها واحد ) .

( والنسخ ) والأجزاء ( التي ) متونها ( بإسناد ) [ ص: 190 ] واحد ( قط ) أي : فقط ، كنسخة همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، رواية عبد الرزاق ، عن معمر عنه ، ونسخة شعيب ، عن أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، ونسخة عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ( تجديده ) أي : الإسناد ( في كل متن ) منها ( أحوط ) كما يفعله بعض أهل الحديث ، ويوجد في كثير من الأصول القديمة ، بل أوجبه بعض المتشددين .

( و ) لكن ( الأغلب ) أي : الأكثر من صنيعهم ، ( البدء به ) أي بالإسناد في أولها ، أو في أول كل مجلس من سماعها ، ( ويذكر ما بعده ) من الأحاديث ( مع ) بالسكون ، قوله في أول كل حديث منها : ( وبه ) أي : وبالإسناد السابق أو السند ، ونحو ذلك ، ( والأكثر ) ومنهم وكيع ، وابن معين ، والإسماعيلي ، ( جوز أن يفرد بعضا ) من أحاديثها من أي مكان شاء ( بالسند ) المعطوف عليه ( لآخذ كذا ) أي جوز ذلك لمن سمعها كذلك .

أما وكيع فإنه قيل له : المحدث يقول في أول الكتاب : ثنا سفيان ، عن منصور . ثم يقول فيما بعده : وعن منصور . فهل يقال في كل من ذلك : حدثنا فلان ، عن سفيان ، عن منصور ؟ فقال : نعم ، لا بأس به .

وأما ابن معين فقال : أحاديث همام لا بأس أن يقطعها . وقال - إذ قيل له : إن ورقاء بن عمر كان يقول في أول حديثه : عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد . يعني ثم يعطف عليه ، فهل ترى بأسا أن يخرجها إنسان فيكتب في كل حديث : ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ؟ - : إنه لا بأس به .

وأما الإسماعيلي فقال : إنه يجوز إذا جعل إسناد واحد لعدة من المتون أن يجدد الإسناد لكل متن . [ ص: 191 ] ومنع منه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني في الأسئلة التي سأله عنها الحافظ أبو سعد بن عليك . وقال : إنه لا يجوز أن يذكر الإسناد في كل حديث منها لمن سماعه على هذا الوصف .

وكذا منع منه بعض المحدثين ورآه تدليسا ، يعني من جهة إيهامه أنه كذلك سمع بتكرار السند ، وأنه كان مكررا تحقيقا لا حكما وتقديرا ، إلا أن يبين كيفية التحمل . والمعتمد الجواز ; لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه ، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أول المتن ، وقريب الشبه بالنقل من أثناء الكتب التي يقع إيراد السند بها في أول الكتاب أو المجلس ، وكذا في آخره غالبا لأجل من يتجدد من السامعين ، ويكتفى في كل حديث منها بقوله : وبه . حيث اتفقوا على جوازه ، بل لا فرق .

قال بعض المتأخرين : وينبغي أن يحمل المنع على التنزيه وما يخالف الأولى ، لا على التحتم ; إذ لا وجه للحمل على ذلك ، إلا أن يقال : باب الرواية اتباع لا ابتداع ، وهو لم يرو على هذا الوجه من التفرقة فيكون ذلك من مبتدعاتها لا من اتباعاتها .

[ صنيع الشيخين في الرواية من صحيفة همام ] :

( والإفصاح ) بصورة الحال وإن جاز ما تقدم ( أسد ) بالمهملة ، أي أقوم وأحسن ، كما يفعله مسلم في صحيفة همام ، فإنه يقول بعد سياق إسناده إلى همام : إنه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ما نصه . فذكر أحاديث منها ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا . ويسوق المتن الذي يروم إيراده ، ولم يعدل عن هذا فيما يورده من النسخة المذكورة . [ ص: 192 ] وأما البخاري فربما قدم أول حديث من الصحيفة ، وهو حديث ( نحن الآخرون السابقون ) . ثم يعطف عليه الحديث الذي يريده ، والأول أوضح ، ولذا قل من اطلع على مقصد البخاري في ذلك حتى احتاج إلى التكليف بين مطابقة الحديث الأول للترجمة ، واستعمل قواه في ذلك ، لا سيما وهو لم يطرد عمله له في جميع ما يورده من هذه النسخة ، بل أورد منها في الطهارة ، وفي البيوع ، وفي النفقات ، والشهادات ، والصلح ، وقصة موسى ، والتفسير ، وخلق آدم ، والاستئذان ، وفي الجهاد في مواضع ، وفي الطب ، واللباس ، وغيرها ، فلم يصدر شيئا من الأحاديث المذكورة بالحديث المشار إليه ، وإنما ذكره في بعض دون بعض .

وكأنه أراد أن يبين جواز كل من الأمرين ، على أنه يحتمل أن يكون ذلك من صنيع شيخ البخاري ، وهو إسحاق بن راهويه ، لكن قد فعله [ ص: 193 ] البخاري أحيانا في ترجمة شعيب أيضا .

ومن ذلك في باب لا تبولوا في الماء الراكد قال : ثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، ثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( نحن الآخرون السابقون ) . وبإسناده قال : ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ) الحديث .

والظاهر أنهما اتفقتا في ابتدائهما بهذا الحديث ، ويتأيد بأنه قل أن يوجد حديث في إحداهما إلا وهو في الأخرى ، وسبقهما إلى نحوه مالك ، فإنه أخرج في باب صلاة الصبح والعتمة من ( موطئه ) متونا بسند واحد ، أولها : ( مر رجل بغصن شوك ) ، وآخرها : ( لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوا ) وليس غرضه إلا الأخير ، ولكنه أداها على الوجه الذي سمعها به ، وكذا وافق على مطلق البيان آخرون .

( ومن يعيد سند الكتاب ) أو الجزء المشتمل على هذه النسخة وما أشبهها ، ( مع آخره ) أي في آخر الكتاب ، فقد ( احتاط ) لما فيه من التأكيد وتضمن إجازة بالغة من أعلى أنواع الإجازة ، ولكن ( خلفا ما رفع ) أي : لم يرفع بذلك الخلاف ، من أجل عدم اتصال السند بكل حديث منها ، بل الخلاف الماضي في إفراد كل حديث لم يزل بذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية