الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ آداب مجلس الإملاء والاستملاء ] :

( واستحسنوا ) أي أهل الحديث ممن تصدى للإملاء ( البدء ) في مجالسهم ( بـ ) قراءة ( قارئ ) هو المستملي كما للخطيب وابن السمعاني ، أو المملي ، كما للرافعي أو غيرهما ، ( تلا ) شيئا من القرآن ، والاختلاف في التعيين لا ينافي اجتماعهم على القراءة .

وعين الرافعي والخطيب أن يكون المتلو سورة ، زاد الرافعي : خفيفة . قال : ويخفيها في نفسه . كأنه لكونه أقرب إلى الإخلاص . واختار شيخنا تبعا لشيخه سورة " الأعلى " لذلك . وكأنه من أجل قوله فيها : سنقرئك فلا تنسى وقوله : فذكر . وقوله : صحف إبراهيم وموسى .

والأصل في قراءة السورة ما رواه الخطيب وغيره من حديث أبي نضرة قال : ( كان الصحابة إذا اجتمعوا تذاكروا العلم ، وقرءوا سورة ) .

بل أخرجه أبو نعيم في ( رياضة المتعلمين ) من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : ( كان أصحاب [ ص: 255 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعدوا يتحدثون في الفقه يأمرون أن يقرأ رجل سورة ) .

( وبعده ) أي : المتلو ، ( استنصت ) المملي - كما قاله ابن السمعاني ، أو المستملي كما قاله الخطيب وابن الصلاح واستحسنه ابن السمعاني - أهل المجلس حيث احتيج لذلك ، اقتداء بقوله صلى الله عليه وسلم لجرير في حجة الوداع : ( استنصت الناس ) . متفق عليه .

( ثم ) بعد إنصاتهم ( بسملا ) المستملي أي قال : بسم الله الرحمن الرحيم . وهذا أول شيء يقوله ، ( فـ ) يليه ( الحمد ) لله رب العالمين ، ( فـ ) يليه ( الصلاة ) مع السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اقتداء بقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله ) وفي رواية ( بحمد الله ) .

وفي رواية : ( والصلاة علي ) - ( فهو أقطع ) . فإذا جمع بين الألفاظ فقد استعمل الروايات وحاز الأكمل في فضيلتها .

( ثم ) بعد ذلك أقبل المستملي على المملي ( يقول ) له : ( من ) ذكرت من الشيوخ ( أو ما ذكرت ) من الأحاديث . قال الرافعي : ولا يقول : من حدثك ؟ أو من سمعت ؟ فإنه لا يدري بأي لفظة يبتدئ .

لكن قال ابن دقيق العيد في ( الاقتراح ) : الأحسن أن يقول : من حدثك ؟ أو من أخبرك ؟ إن لم يقدم الشيخ ذكر أحد ، إلا أن يكون الأول عادة للسلف مستمرة فالاتباع أولى . وكذا قال ابن السمعاني : يقول : من ذكرت ؟ أو من حدثك ؟ .

( وابتهل ) أي : ودعا المستملي ( له ) أي : للمملي مع ذلك بقوله رافعا لصوته : رحمك الله ، أو أصلحك الله ، أو غفر الله لك .

قال ابن السمعاني : ويقول : رضي الله عن الشيخ وعن والديه وعن جميع المسلمين . يعني إن لم يكن في أبويه ما [ ص: 256 ] يمنع ذلك ، كما اتفق لشيخنا حيث قال لشيخه البرهان إبراهيم بن داود الآمدي : ورضي الله عنكم وعن والديكم . فقال له البرهان : لا تقل هكذا . يشير إلى أنهما لم يكونا مسلمين .

قال ابن السمعاني : فلو قال : رضي الله عن سيدنا . جاز إذا عرف المملي قدر نفسه . يعني لقوله صلى الله عليه وسلم : ( قوموا إلى سيدكم ) . قال : وكره بعضهم ذلك . يعني لما فيه من الإطراء .

قال : وقد كنت أقرأ على أبي القاسم علي بن الحسين العلوي ، وكان شيخا صالحا من أهل بيت ، فقلت : رضي الله عن الشيخ الإمام فلان . فنهاني عنه وقال : قل : ورضي الله عنك وعن والديك . وحرم شيبتك على النار . فقلتها وهو يبكي .

وجرى ذلك لآخر فقال : لا تعظمني عند ذكر ربي . قال يحيى بن أكثم : نلت القضا وقضا القضاة والوزارة وكذا وكذا ، فما سررت بشيء مثل قول المستملي : من ذكرت رحمك الله .

ونحوه قول المأمون : ما أشتهي من لذات الدنيا إلا أن يجتمع أصحاب الحديث عندي ، ويجيء المستملي فيقول : من ذكرت أصلحك الله . وكذا روي عن محمد بن سلام الجمحي قال : قيل للمنصور : هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله ؟ قال : بقيت خصلة ; أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث ، ويقول المستملي : من ذكرت رحمك الله . قال : فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر فقال : لستم هم ، إنما هم الدنسة ثيابهم ، المتشققة أرجلهم ، الطويلة شعورهم . يرد الآفاق ونقلة الحديث . [ ص: 257 ] .

قال الخطيب : ( و ) إذا انتهى . أي المستملي تبعا للمملي إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من الإسناد ( صلى ) يعني وسلم عليه ، وفعل ذلك في كل حديث مر فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم استحبابا .

( و ) كذا إذا انتهى إلى ذكر أحد من الصحابة رضي الله عنهم ( ترضى ) عنه بقوله : رضي الله عنه ، أو رضوان الله عليه ، حال كونه ( رافعا ) صوته بذلك كله .

زاد غيره : فإن كان ذاك الصحابي من أبناء الصحابة أيضا كابن عباس وابن عمر قال : رضي الله عنهما . وإن كان أبوه وجده صحابيين . وذكرهما كعائشة قال : رضي الله عنهم . وبقوله : ( وذكرهما ) . يتأيد من كان ينكر على القارئ من أئمة شيوخنا إذا مر به عنعائشة رضي الله عنها حيث يقول : وعن أبيها وجدها وأخيها . لما فيه من التطويل ، لا سيما إن أوهم بذلك أن في المجلس بعض الرافضة مما الواقع خلافه .

وكذا يقع في كثير من الأصول القديمة حتى في " أحمد " و " أبي داود " عن علي عليه السلام . تاركا لذلك في أبي بكر وغيره ممن هو أفضل منه ، بل يقع ذلك في فاطمة الزهراء أيضا ، وعندي توقف في المقتضي للتخصيص بذلك مع احتمال وقوعه ممن بعد المصنفين ، ولكنه بعيد .

قال الخطيب : والأصل في ذلك - يعني الترضي - حديث جابر : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فالتفت إلى أبي بكر فقال : ( يا أبا بكر ، أعطاك الله الرضوان الأكبر ) .

وحديث أنس : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام غلام فأخذ نعله ، فناوله إياها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أردت رضا ربك ، رضي الله عنك ) قال : [ ص: 258 ] فاستشهد .

وكذا يستحب أيضا الترضي والترحم على الأئمة ، فقد قال القارئ للربيع بن سليمان يوما : حدثكم الشافعي ؟ ولم يقل : رضي الله عنه . فقال الربيع : ولا حرف حتى يقال : رضي الله عنه .

قال الخطيب : والصلاة والرضوان والرحمة من الله بمعنى واحد إلا أنها وإن كانت كذلك ، فإنا نستحب أن يقال للصحابي : رضي الله عنه . وللنبي : صلى الله عليه وسلم . تشريفا له وتعظيما .

التالي السابق


الخدمات العلمية