الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال : ) ولو تزوج ثلاث نسوة في عقدة فدخل بواحدة منهن ولم يدخل بالثنتين ثم طلق إحدى نسائه واحدة والأخرى ثلاثا ثم مات قبل أن يبين فللمدخول بها مهر تام لتأكد مهرها بالدخول ، وللتين لم يدخل بهما مهر وربع مهر في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لأن أكثر ما يكون لهما مهر ونصف ، بأن يكون أحد الطلاقين واقعا على المدخول بها والآخر على إحداهما ، وأقل مالهما مهر واحد بأن يكون الطلاقان وقعا عليهما فمهر واحد لها بيقين ونصف مهر يثبت في حال دون حال فيتنصف فيكون لهما مهر وربع مهر بينهما نصفان ، وعلى قول محمد رحمه الله تعالى للتين لم يدخل بهما مهر وثلث مهر هكذا ذكر في هذا الكتاب ، وفي الزيادات يقول : لهما مهر وربع مهر كما هو قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ولكن بطريق آخر وهو أن إحداهما مطلقة بيقين فيعزلها بنصف مهر ، والأخرى إن وقع الطلاق عليها فلها نصف مهر ، وإن لم يقع فلها كامل فنصف مهر لها بيقين والنصف الآخر يثبت [ ص: 177 ] في حال دون حال فيتنصف فكان لها ثلاثة أرباع مهر ، فإذا ضممت ذلك إلى نصف مهر يكون مهرا وربع مهر بينهما ، ووجه رواية هذا الكتاب أنه لو لم يدخل بشيء منهن لكان الواجب عليه مهرين بينهن أثلاثا لكل واحدة منهن ثلثا مهر ; لأنه قد سقط بالطلاقين مهر واحد ، وبأن دخل بإحداهن حتى لم ينتقص من مهرها شيء لم يؤثر ذلك في حق الأخريين بل يجعل في حقهما كأنه لم يدخل بشيء منهن فيكون لهما مهر وثلث مهر بينهما نصفان لكل واحدة منهما ثلثا مهر ، وأما الميراث فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - للمدخول بها خمسة أسهم من اثني عشر سهما من ميراث النساء وللأخريين سبعة أسهم ; لأنه يلغي التطليقات الثلاث ، فإن حالهن فيها على السواء على معنى أنه على أيتهن وقعت حرمتها بقيت التطليقة الواحدة ، فإن وقعت على المدخول بها فلها ثلث ميراث النساء أربعة من اثني عشر سهما .

وإن وقعت على إحدى اللتين لم يدخل بهما فلها نصف الميراث ستة ، فمقدار أربعة لها بيقين وما زاد على ذلك وهو سهمان يثبت في حال دون حال فيتنصف فيكون لها خمسة من اثني عشر والباقي للتين لم يدخل بهما ، وإن وقع الطلاق على إحدى اللتين لم يدخل بهما فلهما نصف الميراث ، وإن وقع على المدخول بها فلهما ثلثا الميراث ، فمقدار ستة لهما بيقين وسهمان يثبت في حال دون حال فيتنصف فكان لهما سبعة ، وذكر في بعض نسخ هذا الكتاب أن قول محمد رحمه الله تعالى في الميراث كقول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وفي بعض النسخ قال : عنده للمدخول بها خمسة أثمان ميراث النساء ، وللتين لم يدخل بهما ثلاثة أثمان ميراث النساء ، ووجه ذلك أن إحدى اللتين لم يدخل بهما مطلقة محرومة عن الميراث يقينا فعزلها للحرمان ، وإن كانت معزولة بوقوع الواحدة عليها بقي الثلاث على أيتهما وقعت حرمتها ، فيكون الميراث في هذه الحالة نصفين نصفه للتي دخل بها ونصفه للتين لم يدخل بهما ، وإن كانت المعزولة للحرمان معزولة بوقوع الثلاث عليها ، فإن وقعت الواحدة على غير المدخول بها فالميراث كله للمدخول بها ، وإن وقعت على المدخول بها فالميراث بينهما نصفان ، فيثبت للمدخول بها في هذه الحالة ثلاثة أرباع الميراث ستة من ثمانية باعتبار أن لها النصف في حال والكل في حال ، وقد كان لها في الحالة الأولى أربعة ، فأربعة لها بيقين وما زاد على ذلك إلى تمام ستة يثبت في حال دون حال فيتنصف ، فلهذا كان لها خمسة من ثمانية وما بقي للتين لم يدخل بهما أو لأن لهما في الحالة الثانية الربع ، وفي الحالة الأولى النصف فيتنصف الربع باعتبار الأحوال [ ص: 178 ] فلهذا كان لهما ثلاثة أثمان الميراث ، وروى محمد عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أن للمدخول بها ثلاثة أرباع الميراث .

ووجه ذلك أن إحدى اللتين لم يدخل بهما محرومة عن الميراث فيعزلها بإيقاع الثلاث عليها ; لأنا نتيقن أن إيقاع الثلاث موجب حرمان الميراث ، ولا يتيقن بذلك في الواحدة فجعلنا المعزولة للحرمان كأن الثلاث وقعت عليها ، بقيت الواحدة فإن وقعت على المدخول بها فلها نصف الميراث ، وإن وقعت على غير المدخول بها فللمدخول بها جميع الميراث ، فكان لها باعتبار الأحوال ثلاثة أرباع الميراث والباقي وهو ربع الميراث للتين لم يدخل بهما ، ولو كان دخل باثنتين منهن والمسألة بحالها فلكل واحدة من اللتين دخل بهما مهر كامل لتأكد مهرهما بالدخول بالنكاح الصحيح ، وللتي لم يدخل بها ثلاثة أرباع المهر في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، فإنها إن كانت مطلقة فلها نصف مهر ، وإن لم يقع عليها شيء فلها مهر كامل ، فنصف مهر لها بيقين والنصف الآخر يثبت في حال دون حال فيتنصف قال : وكذلك الجواب عند محمد رحمه الله تعالى ، وينبغي على قول محمد رحمه الله تعالى أن يكون لها ثلثا مهر بالطريق الذي قلنا إنه لو لم يدخل بشيء منهن كان لكل واحدة منهن ثلثا مهر ، فيجعل في حق التي لم يدخل بها كأنه لم يدخل بشيء منهن ; لأن الدخول بغيرها لا يزيد في حقها سببا ، فأما الميراث فعلى قول أبي يوسف للتي لم يدخل بها سدس الميراث ; لأنه إن لم يقع عليها شيء فلها ثلث الميراث ، وإن وقع عليها الطلاق فلا شيء لها فلها سدس الميراث ، به علل محمد رحمه الله تعالى في الكتاب وهو غلط ، فإنه إن لم يقع عليها شيء كان لها نصف الميراث لأنه لا يزاحمها في الميراث إلا واحدة ، فإن من وقع عليها الطلاق الثلاث من المدخولتين محرومة عن الميراث ، ولكن الطريق في التخريج أن التي لم يدخل بها لها ثلاثة أحوال إن وقع عليها واحدة فلا شيء لها .

وإن وقع عليها الثلاث فلا شيء لها ، وإن لم يقع عليها شيء فلها نصف الميراث ، فلها حالتا حرمان وحالة إصابة ، فلهذا جعل لها ثلث النصف وهو السدس قال : وكذلك الجواب في الميراث عند محمد رحمه الله تعالى قال الحاكم : رحمه الله وليس ذلك بسديد بل الصواب عند محمد رحمه الله تعالى أن يكون لها ثمن الميراث وهكذا ذكر في بعض الروايات ; لأن إحدى المدخولتين وارثة فيعزلها للاستحقاق ، فإن كانت معزولة بأن لم يقع عليها شيء فلا شيء للتي لم يدخل بها في هذه الحالة ; لأن أحد الطلاقين وقع عليها لا محالة ، وإن كانت المعزولة للاستحقاق معزولة بوقوع الواحدة عليها ، فإن وقع الثلاث على الأخرى فللتي لم يدخل بها نصف الميراث ، وإن وقع الثلاث على التي لم [ ص: 179 ] يدخل بها فلا شيء لها من الميراث ، فإذا كان لها النصف في حالة وفي حالة لا شيء لها كان لها الربع ، ثم هذا الربع لها في هذه الحالة ، ولا شيء لها في الحالة الأولى ، فلها نصف الربع وهو الثمن والباقي للتين دخل بهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية