الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال : ) وإذا تزوجها على بيت وخادم فلها من ذلك خادم وسط [ ص: 68 ] وبيت وسط ، والكلام هنا في فصول : أحدها : أن تسمية الخادم في النكاح صحيح عندنا ، وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى لا يصح ، وكذلك لو تزوجها على عبد مطلق أو على أمة فلها عبد وسط أو أمة وسط ، فإن أتاها بالعين أجبرت على القبول ، وإن أتاها بالقيمة أجبرت على القبول ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا تصح التسمية ; لأن النكاح عقد معاوضة ، فيكون قياس البيع ، والعبد المطلق لا يستحق بعقد البيع عوضا فكذلك بالنكاح ، وهذا أصل للشافعي رحمه الله تعالى أن كل ما لا يصح مسمى عوضا في البيع لا يستحق في النكاح ; لأن المقصود بالمسمى مهرا المالية ، وبمجرد ذكر الجنس بدون بيان الوصف لا تصير المالية معلومة فلا يصح التزامه بعقد المعاوضة لبقاء الجهالة ، والغرر فيه .

ألا ترى أنه لو سمى ثوبا أو دابة أو دارا لم تصح التسمية فكذلك إذا سمى عبدا ، وحجتنا في ذلك أن المهر إنما يستحق عوضا عما ليس بمال ، والحيوان يثبت دينا في الذمة مطلقا في مبادلة ما ليس بمال ، ألا ترى أن الشرع أوجب في الدية مائة من الإبل ، وأوجب في الجنين غرة عبدا أو أمة فإذا جاز أن يثبت الحيوان مطلقا دينا في الذمة عوضا عما ليس بمال شرعا ، فكذلك يثبت شرطا ; وهذا لأن في معنى المالية هذا مال ملتزم ابتداء ، والجهالة المستدركة في التزام المال ابتداء لا تمنع صحته كما في الإقرار ، فإن من أقر لإنسان بعبد صح إقراره إلا أنه هناك لا ينصرف إلى الوسط عند محمد رحمه الله تعالى ; لأن المقر به عينه ليس بعوض .

وهنا عين المهر عوض ، وإن كان باعتبار صفة المالية هذا التزام مبتدأ ، فلكونه عوضا صرفناه عند إطلاق التسمية إلى الوسط ; ليعتدل النظر من الجانبين كما أوجب الشرع في الزكوات الوسط نظرا إلى الفقراء وأرباب الأموال ، وبكونه مالا يلتزم ابتداء لا تمنع جهالة الصفة صحة الالتزام ، ولهذا لو أتاها بالقيمة أجبرت على القبول ; لأن صحة الالتزام باعتبار صفة المالية ، والقيمة فيه كالعين ، وللاعتبار بما أوجبه الشرع من الدية فإن ذلك يتردد بين الإبل والدراهم ، والدنانير ، ومن أصحابنا رحمهم الله تعالى من يقول : لو لم تصح التسمية احتجنا إلى إيجاب مهر المثل ; لأن بفساد التسمية لا يبطل النكاح كما لا يبطل بترك التسمية ، وكل جهالة في المسمى إذا كانت دون جهالة مهر المثل فذلك لا يمنع صحة التسمية ; لأن بعض الجهالة يرتفع بهذه التسمية ، وكل جهالة هي مثل جهالة مهر المثل أو فوق جهالة مهر المثل تمنع صحة التسمية ; لأنه لا يحصل به شيء من الأعلام فجهالة العبد المسمى جهالة الصفة دون الجنس فأما جهالة مهر المثل جهالة جنس فصححنا فيه التسمية ; ليحصل بها التحرز [ ص: 69 ] عن بعض الجهالة .

فأما جهالة الثوب فوق جهالة مهر المثل ; لأن اسم الثوب يتناول أجناسا مختلفة من القطن ، والكتان والإبريسم ، وغير ذلك ، وكذلك جهالة الدابة ; لأنها تتناول أجناسا مختلفة ، وكذلك جهالة الدار ; لأنها تختلف باختلاف البلدان ، والمحال والضيق ، والسعة وكثرة المرافق وقلتها ، فكانت تلك الجهالة فوق جهالة مهر المثل ، فلهذا لم تصح التسمية ووجب المصير إلى مهر المثل ، وبه فارق البيع فإنا لو لم نصحح التسمية مع جهالة الوصف هناك لا نحتاج إلى إيجاب جهالة أخرى ; لأنه يفسد البيع ، ويعود إليه عوضه ، وهو معلوم .

فأما إذا سمى في المهر بيتا فالمراد منه متاع البيت عادة دون البيت المسمى ، وهذا معروف بالعراق يتزوج على بيت أو بيتين فيريدون متاع البيت مما تجهز به تلك المرأة وينصرف إلى الوسط من ذلك ; لاعتبار معنى المعاوضة على ما قلنا ثم قال أبو حنيفة رضي الله عنه : قيمة البيت أربعون درهما ، وقيمة الخادم أربعون دينارا ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : هو على قدر الغلاء والرخص ، وليس هذا باختلاف في الحقيقة ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى قصر فتواه على ما شاهده في زمانه ، وهما زادا على ذلك ، وبينا الفتوى في الأوقات ، والأمكنة كلها ، والأمر على ما قالا فإن القيم تختلف باختلاف الغلاء والرخص .

( قال : ) والوسط من الخادم السندي ; وهذا لأن أرفع الخدم الأتراك ، وأدنى الخدم الهنود فالسندي هو الوسط فيما بين ذلك ، ولكنه في بلادنا قلما يوجد السندي فالوسط أدنى الأتراك وأعلى الهنود .

( قال : ) وإن كان تزوجها على وصيف أبيض فلها خمسون دينارا في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وهذا أيضا بناء على ما شاهد في زمانه من التفاوت بين قيمة الوسط والجيد ، وذلك يختلف باختلاف الغلاء والرخص ، ولكن في زمانه كان هذا التفاوت بقدر عشرة دنانير فلهذا قدره به ، وإن أعطاها وصيفا أبيض لا يساوي ذلك فهو جائز ; لأنه وفى لها بما شرط ، واعتبار القيمة عند اختياره أداء القيمة فأما إذا اختار أداء العين فلا معتبر بالقيمة .

( قال : ) وإن كانا من أهل البادية ، وقد تزوجها على بيت فلها بيت من شعر من بيوت أهل البادية ، وإن تزوجها على خادم فلها خادم وسط مما يعرف هناك ; لأن المعتبر في التسمية العرف ، ألا ترى أنه لو اشترى بدراهم مطلقا ينصرف إلى نقد البلد ; للعرف فهنا في كل موضع يعتبر العرف أيضا ، والمتعارف من تسمية البيت مطلقا فيما بين أهل البادية البيت من الشعر ، وفي ما بين أهل الأمصار متاع البيت فصرفنا التسمية إلى ذلك في كل موضع .

( قال : ) وإن تزوجها على شيء بعينه ، ولم تره فليس لها في ذلك خيار الرؤية ; لأن عدم الرؤية [ ص: 70 ] لما لم يمنع ثبوت صفة اللزوم فيما هو المقصود بهذا العقد ، وهي المنكوحة فكذلك في عوضه ، وكان المعنى فيه أن الفائدة في إثبات خيار الرؤية أن يتمكن به من إعادة العوض الذي خرج منه إليه ، وهذا في البيع يحصل ; لأنه ينفسخ بالرد ، وفي النكاح لا يحصل ; لأنه لا ينفسخ برد المسمى بخيار الرؤية ، ولكن تجب القيمة ، والقيمة غير مرئية كالعين ، فعرفنا أنه لا يستدرك بالرد فائدة ، وكذلك لا ترد الصداق بالعيب إلا أن يكون فاحشا عندنا ، وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى : كل عيب يرد به في البيع يرد به في الصداق .

وهو بناء على أصل بيننا وبينه أن عنده بالرد بالعيب تبطل التسمية فيجب مهر المثل ، وعندنا لا تبطل التسمية ، ولكن تجب قيمة المسمى فإن كان العيب يسيرا لا تستدرك بالرد فائدة إذ لا فرق بين عين الشيء ، وبه عيب يسير ، وبين قيمته ، وإذا كان العيب فاحشا فتستدرك بالرد فائدة ; لأنها ترجع بقيمته صحيحا ، وهذا هو حد الفرق بين اليسير والفاحش ، أن كل عيب ينقص من المالية مقدار ما لا يدخل تحت تقويم المقومين في الأسواق فهو عيب فاحش ، وإذا كان ينقص بقدر ما يدخل بين تقويم المقومين فهو عيب يسير ، وحجته لإثبات أصله أن الصداق مال مملوك بعقد معاوضة ، وهو مما ينفصل عن أصل العقد فتبطل التسمية بالرد كالبيع ، ولكن بطلان التسمية في النكاح لا يبطل النكاح كانعدام التسمية في الابتداء ، ولكنا نقول : السبب الموجب للمسمى هو العقد ، فلا يجوز الحكم ببطلان التسمية مع بقاء السبب الموجب له ، ولكن بالرد بالعيب يتعذر تسليم العين كما التزم ، فتجب قيمته كالمغصوب إذا أبق .

وعلى هذا الأصل إذا هلك الصداق قبل التسليم عندنا لا تبطل التسمية ، ولكن يجب على الزوج مثله إن كان من ذوات الأمثال ، وقيمته إن لم يكن من ذوات الأمثال ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى تبطل التسمية كما يبطل البيع بهلاك المبيع قبل القبض فيكون لها مهر مثلها ، وبعض أصحابه يقول : لا تبطل التسمية بالهلاك عندنا ، ولكن تجب قيمة المسمى ; لتعذر تسليم العين فأما الرد بالعيب لا يكون إلا لرفع تلك التسمية فتبطل به التسمية ، وعلى هذا لو استحق المسمى بعينه لا تبطل التسمية ; لأن شرط صحة التسمية كون المسمى مالا ، وبالاستحقاق لا تنعدم المالية ، ولكن يتعذر التسليم فيكون بمنزلة الهلاك في أنه يجب قيمته على الزوج .

التالي السابق


الخدمات العلمية