الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( شرط المعير ) الاختيار كما يعلم من باب الطلاق فلا تصح إعارة مكره ، و ( صحة تبرعه ) بأن يكون غير محجور لأنها تبرع بالمنافع فلا يصح إعارة محجور عليه ، ويصح إعارة السفيه لبدن نفسه حيث لم يكن عمله مقصودا لاستغنائه عنه بماله ، ولا حاجة في الحقيقة إلى استثنائه لأن بدنه في يده فلا عارية ، وكذا للمفلس إعارة عين زمنا لا يقابل بأجرة ، ولا تصح إعارة مكاتب بغير إذن سيده إلا في نظير ما مر في المفلس فيما يظهر .

                                                                                                                            ويشترط ذلك في المستعير أيضا فلا تصح استعارة محجور ولو سفيها ولا استعارة وليه له إلا إن انتفى الضمان كأن استعار من نحو مستأجر ، ويشترط أن يكون مختارا ، وتعيينه ، فلو فرش بساطه لمن لم يجلس عليه لم يكن عارية بل مجرد إباحة ( وملكه للمنفعة ) ولو لم [ ص: 119 ] يملك الرقبة ، إذ الإعارة إنما ترد على المنفعة ، وأخذ منه الأذرعي امتناع إعارة فقيه أو صوفي سكنهما في مدرسة ورباط لأنهما يملكان الانتفاع لا المنفعة .

                                                                                                                            ولعل مراده أن ذلك لا يسمى عارية حقيقة ، فإن أراد حرمته فممنوع حيث لم ينص الواقف على شيء ولم تكن في زمنه عادة مطردة بمنع ذلك ، ويلحق بملك المنفعة اختصاصه بها لما سيذكره في الأضحية من جواز إعارة أضحية أو هدي نذره مع خروجه عن ملكه ، ومثله إعارة كلب لصيد وأب لابنه الصغير ومجنون وسفيه كما ذكره الزركشي بحثا إذا كان الزمن غير مقابل بأجرة ولا يضر به لجواز استخدامه في ذلك حينئذ ، وأطلق الروياني حل إعارته لخدمة من يتعلم منه لقصة أنس في الصحيح .

                                                                                                                            وظاهر أن تسمية مثل هذه المذكورات عارية فيه نوع تجوز ، وقول الإسنوي بإعارة الإمام مال بيت المال لأنه إذا جاز له التمليك [ ص: 120 ] فالإعارة أولى مردود بأنه إن كان ذلك لمن له حق في بيت المال فهو إيصال حق لمستحقه فلا يسمى عارية ، أو لمن لا حق له فيه لم يجز لأن الإمام فيه كالولي في مال موليه ، وهو لا يجوز له إعارة شيء منه مطلقا .

                                                                                                                            ومن ثم كان الصواب كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى عدم صحة بيعه لقن بيت المال من نفسه لأنه عقد عتاقة ، وهو ليس من أهل العتق ولو بعوض كالكتابة لأنه بيع لبعض مال بيت المال ببعض آخر لملكه أكسابه لولا البيع ، ولأنه يمتنع عليه تسليم ما باعه قبل قبض ثمنه ، وهذا مثله لأن القن قبل العتق لا ملك له وبعده قد يحصل وقد لا ، فالمصلحة منتفية في ذلك لبيت المال رأسا ، وأخذ من ذلك جمع متأخرون عدم وجوب مراعاة شروط أوقاف الأتراك لبقائها على ملك بيت المال لأنهم أرقاء له ، فمن له فيه حق حلت له على أي وجه وصلت إليه ، ومن لا حق له لا يحل له مطلقا ا هـ .

                                                                                                                            والأوجه اتباع شروطهم حيث لم يعلم رقهم ، وفعلوا ذلك على وجه اقتضته المصلحة في نظرهم ولم يتبين خطؤهم في ذلك لإخراجهم ذلك على وجه مخصوص .

                                                                                                                            ولا يلزم من تشبيه الإمام بالولي إعطاؤه أحكامه من سائر أوجهه ، وقياس ذلك على إعتاق العبد من نفسه ممنوع ( فيعير مستأجر ) إجارة صحيحة لملكه المنفعة وموصى له بالمنفعة على ما سيأتي تحريره في بابه وموقوف عليه لم يشرط الواقف استيفاءه بنفسه لكن بإذن الناظر كما أفاده ابن الرفعة وهو ظاهر ( لا مستعير ) بغير إذن المالك ( على الصحيح ) لأنه لا يملكها وإنما أبيح له الانتفاع ، ومن ثم لم يؤجر ولم تبطل عاريته بإذن المالك له فيها ولم يبرأ من ضمانها إن لم يعين له الثاني كما أفاده الماوردي .

                                                                                                                            والثاني : يعير كما أن للمستأجر أن يؤجر ( وله أن يستنيب من يستوفي المنفعة له ) كأن يركب مثله [ ص: 121 ] أو دونه لحاجته دابة استعارها للركوب .

                                                                                                                            قال في المطلب : وكذا زوجته وخادمه لرجوع الانتفاع إليه أيضا .

                                                                                                                            قال الأذرعي : نعم يظهر أنه إذا ذكر له أنه يركبها زوجته زينب وهي بنت المعير أو أخته أو نحوها لم يجز له إركاب ضرتها لأن الظاهر أن المعير لا يسمح بها لضرتها ، ويؤخذ منه جواز إركاب ضرة المستعار لركوبها حيث كانت مثلها أو دونها ولم تقم قرينة على التخصيص ككون المسماة أجنبية من المعير .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : فلا تصح إعارة مكره ) أي بغير حق ، أما به كما لو أكره على إعارة واجبة فتصح ا هـ حج ( قوله : لأن بدنه في يده فلا عارية ) قد يشكل بما يأتي فيما لو ركب منقطعا من أنه لا يشترط في العارية كون المعار في يد المستعير ، بل حكم العارية ثابت له وإن كان في يد المعير ، ومن ثم لو سأل شخص صاحب الدابة في حمل متاع له على دابته فحمله عليها كان إعارة لها ، وإن تلفت ضمنها السائل ، اللهم إلا أن يقال : السفيه لا يمكن جعله تحت يد غيره لكونه حرا بخلاف الدابة فكأنه في يد نفسه ( قوله : وكذا للمفلس إعارة عين إلخ ) هلا قيل بالامتناع مطلقا فيه وفي المكاتب لأنها قد تتلف فتفوت على الغرماء وعلى السيد ولو قيل بذلك لكان وجيها ( قوله : إلا في نظير ما مر ) أي في قوله زمنا لا يقابل بأجرة ( قوله : ولو سفيها ) أي بأن كان صبيا أو مجنونا أو محجورا عليه بسفه ، أما المفلس فتصح استعارته لأنه لا ضرورة لها على الغرماء لأنها لو تلفت تلفا مضمنا لا يزاحم المعير الغرماء ببدلها ( قوله : إلا إن انتفى الضمان ) أي أو لضرورة كبرد مهلك فيما يظهر ا هـ حج ( قوله : ويشترط أن يكون ) أي المستعير ( قوله : وتعيينه ) أي المستعير ، وقوله بل مجرد إباحة ، ولو أرسل صبيا ليستعير له شيئا لم يصح ، فلو تلف في يده أو أتلفه لم يضمنه هو ولا مرسله : أي لأنه لم يدخل في يده كذا في الجواهر ، ونظر غيره في قوله أو أتلفه ، والنظر واضح إذ الإعارة ممن علم أنه رسول لا تقتضي تسليطه على الإتلاف فليحمل ذلك : أي عدم الضمان على ما إذا لم يعلم أنه رسول ا هـ حج .

                                                                                                                            وكتب عليه سم قوله فليحمل ذلك إلخ ، أقول : فيه نظر أيضا لأن الإعارة لا تقتضي تسليط المستعير على الإتلاف : أي فيضمن فيه إلا في التلف غاية الأمر أنها تقتضي المسامحة بالتلف بواسطة الاستعمال [ ص: 119 ] المأذون فيه فليتأمل ا هـ . ويمكن الجواب بأنها وإن لم تقتض التسليط بالإتلاف لكنها اقتضته بالتسليط على العين المعارة بوجوه الانتفاع المعتاد فأشبهت المبيع ، وقد صرحوا فيه بأن المقبوض بالشراء الفاسد من السفيه لا يضمنه إذا أتلفه ( قوله : من جواز إعارة أضحية أو هدي ) لو تلف ضمنه المعير والمستعير وليس لنا معير يضمن إلا في هذه الصورة ا هـ سم على حج .

                                                                                                                            وسيأتي في كلام الشارح ، ومراده إن كان طريق في الضمان وأن القرار على من تلفت تحت يده ( قوله : لجواز استخدامه في ذلك ) قضيته أنه ليس للأب استخدام ولده فيما يقابل بأجرة أو كان يضره وهو ظاهر في الثاني ، وينبغي خلافه في الأول بل هو أولى من المعلم الآتي ، وبتسليم الأول فينبغي للأب إذا استخدم من ذكر أن يحسب أجرة مثله مدة استخدامه ثم يملكها له عما وجب عليه ثم يصرفها عليه فيما يحتاجه من نفقة وكسوة .

                                                                                                                            ومما عمت به البلوى أن يموت إنسان ويترك أولادا صغارا فتتولى أمهم أمرهم بلا وصاية ، أو كبير الإخوة أو عم لهم مثلا ويستخدمونه م في رعي دواب إما لهم أو لغيرهم .

                                                                                                                            والقياس وجوب الأجرة على من استخدمهم سواء كان أجنبيا أو قريبا ، ولا يسقط الضمان بقبض الأم أو كبير الإخوة أو نحوهما حيث لا وصاية ولا ولاية من القاضي ( قوله : وأطلق الروياني حل إعارته ) أي ولده الصغير ، وقوله لخدمته ظاهره سواء كان ذلك يقابل بأجرة أم لا وهو ظاهر لأن فيه مصلحة له .

                                                                                                                            ومن ذلك بالأولى الفقيه ، ومعلوم أن محل ذلك كله إذا أذن له وليه أما إذا لم يأذن له أو قامت قرينة على عدم رضاه بذلك أو كان استخدامه يعد إزراء به فلا يجوز له ، وبقي ما يقع كثيرا من أن المعلم يأمر بعض من يتعلم منه بتعليم بعض آخر هل يجوز له ذلك لأن فيه مصلحة للولد بإتقانه للصنعة بتكرارها أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول .

                                                                                                                            وينبغي أن يأتي مثل ذلك فيما لو كان الأب هو المعلم ( قوله : وقول الإسنوي بإعارة ) [ ص: 120 ] أي بجواز إعارة إلخ ( قوله : وهو لا يجوز له إعارة شيء منه مطلقا ) أي سواء كان ما أعاره يقابل بأجرة أم لا ( قوله : من نفسه ) أي القن ( قوله : ولأنه يمتنع عليه ) أي الإمام ( قوله : جمع متأخرون ) منهم حج في شرحه ( قوله : من سائر أوجهه ) يظهر من هذا اعتراض ما رد به على الإسنوي مع أن ظاهر كلامه فيما سبق اعتماد الرد ، اللهم إلا أن يقال : الرد إنما هو من جهة تسمية الإسنوي دفع الإمام شيئا لمستحقه عارية ( قوله : وقياس ذلك على إعتاق العبد ) الأولى بيع العبد كما قدمه ، ولكنه عبر بذلك تنبيها على أن بيع العبد من نفسه في الحقيقة إعتاق ( قوله : وموصى له بالمنفعة ) إلا مدة حياته على تناقض فيه ا هـ حج .

                                                                                                                            وكتب عليه سم : هذا مسلم إن دلت قرينة على مباشرة الانتفاع بنفسه كأن أوصى أن ينتفع به مدة حياته وإلا فله الإعارة وإن قيد بمدة حياته ا هـ .

                                                                                                                            وقول سم : وإلا أي كأن أوصى له بالمنفعة مدة حياته .

                                                                                                                            وينبغي أن مثل الإعارة الإجارة حيث قيدت بمدة أو بمحل عمل ثم إن مات المؤجر قبل استيفاء المنفعة المعقود عليها انفسخت فيما بقي ( قوله : لكن بإذن الناظر ) مفهومه أن الناظر لا يعير وهو ظاهر حيث لم يكن موقوفا عليه ، وإلا بأن شرط النظر للموقوف عليه وانحصر فيه فيجوز له الإعارة ، لكن لا من حيث كونه ناظرا بل من حيث كونه مستحقا للمنفعة ( قوله : إن لم يعين ) أي المالك له : أي المستعير ، وقوله الثاني مفهومه أنه إذا عينه له وأعاره انتهت عاريته وانتفى الضمان عنه ( قوله : كأن يركب مثله ) أشار به لتقييد [ ص: 121 ] المتن بأن له الاستنابة إذا لم يكن فيها ضرر زائد على استعمال المستعير ( قوله : أو دونه ) أي ما لم يكن عدوا للمعير فيما يظهر م ر ا هـ سم على حج ، وقول سم : ما لم يكن عدوا : أي فيهما ( قوله : لرجوع الانتفاع إليه ) يؤخذ منه أن محل جواز ذلك فيما لو أركب زوجته أو خادمه لقضاء مصالحه .

                                                                                                                            أما لو أركبهما لما لا تعود منفعته إليه كأن أركب زوجته لسفرها لحاجتها لم يجز .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : فلا عارية ) فيه أنهم صرحوا بأنه إذا قال لغيره اغسل ثوبي كان استعارة لبدنه [ ص: 119 ] قوله : وأخذ منه الأذرعي امتناع إعارة فقيه إلخ ) إن كانت الصورة أنه أعار لمستحق السكنى في المدرسة ، أو الرباط فلا يتجه إلا الجواز ، لكن هذا ليس عارية وإنما هو إسقاط حق ، ولعل هذا هو الذي فهمه الشارح عن الأذرعي ، وإن كانت الصورة أنه أعار لغير مستحق فلا يتجه إلا المنع ، ولعله مراد الأذرعي فلم يتوارد معه الشارح على محل واحد ، ثم لا يخفى أن الصورة على كل منهما أن الفقيه أو الصوفي يخرج من السكن المذكور ويعيره لغيره .

                                                                                                                            أما كونه يدخل عنده نحو ضيف فالظاهر أن هذا لا نزاع في جوازه ، ثم رأيت عبارة الأذرعي ونصها : قوله : أي المصنف وملكه المنفعة يقتضي أنه لا تصح إعارة الصوفي ، والفقيه سكنهما بالرباط والمدرسة ، وكذا كل من في معناهما ; لأنهم يملكون الانتفاع لا المنفعة انتهت .

                                                                                                                            وهو كما ترى لم يثبت حكما من عند نفسه حتى يتوجه عليه قول الشارح ولعل مراده إلخ ، وأيضا إذا كانت عبارته لا تصح إعارة الصوفي إلخ فكيف يتأتى ما ذكره الشارح فتأمل . ( قوله : وأب لابنه ) أي وأن يعير الأب ابنه للغير [ ص: 120 ] قوله : وفعلوا ذلك على وجه اقتضته المصلحة إلخ ) هذا يعرفك أن وجوب اتباع شروطهم حينئذ ليس من حيثية الوقف ; إذ الواقف لا يشترط في صحة وقفه مراعاة مصلحة ولا غيرها وإنما ذاك من حيث إن لهم الولاية على بيت المال وقد أخرجوا منه ذلك على وجه مخصوص فلا تجوز مخالفته ; وبهذا يعلم أن الصورة أن يعلم أن فاعل ذلك ممن له دخل في أمور بيت المال ، فمراده بالأتراك الفاعلين لذلك السلاطين وأتباعهم فتنبه




                                                                                                                            الخدمات العلمية