الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدلة على وجوب استعمال اللين والرفق في الدعوة إلى الله

السؤال

ما الدليل على أنه يجب الرفق في النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما هي المواطن التي يكون فيها الشدة؟ وإذا فعل المعروف مجاملة لي - وليس عن اقتناع - هل أؤجر أنا؟ أم أنه يجب عليّ أن أجعله يفعل ذلك المعروف لله أو يترك ذلك المنكر لله؟ فبعض الناس يقول لشخص مثلًا: هيا إلى المسجد, عسى أن يفتح الله على قلبه، ولم يجعله يخلص في ذلك لله, فهل هذه الدعوة إلى الخير صحيحة دون إقناع الشخص بالإخلاص والصدق؟ وكذلك الدعوة إلى حفظ القرآن, أو تعلم العلم, فإنه قد يفعل ذلك بدون إخلاص.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد قال الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] وقال عز وجل لموسى وهارون: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى { طه:43ـ 44} فإن كان مثل فرعون في الكفر والطغيان يقال له قول لين، فما بالنا بالمسلم الموحد, وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159].
وقال سبحانه: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: 46] قال ابن فورك في تفسيره: استثنى الذين ظلموا منهم - وجميعهم ظالم - لأن المراد إلا الذين ظلموكم في جدالهم, أو غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم، وبهذا يسع الإنسان أن يغلظ على غيره، وإلا فالداعي إلى الحق يجب أن يستعمل الرفق في أمره. اهـ.
وجاء في الموسوعة الفقهية: حكم الرفق على وجه العموم الاستحباب، فهو مستحب في كل شيء؛ لقوله في حديث أخرجه البخاري عن عائشة - رضي الله عنها -: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله", ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضًا: "إن الله رفيق يحب الرفق, ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف", ولقوله: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه", ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير", ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من يحرم الرفق يحرم الخير", وقد يخرج عن الاستحباب, كالرفق بالوالدين, فإنه واجب، والرفق بالكفار الحربيين فإنه ممنوع؛ لقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} اهـ.
وقد بوَّب غير واحد من أهل العلم ممن صنف في الحسبة بابًا خاصًا عن الرفق واللين عند المحتسب، فقال الشيزري في نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة: فصل: ليكن شيمة المحتسب الرفق ولين القول وطلاقة الوجه وسهولة الأخلاق ... اهـ.
وقال ابن الأخوة في معالم القربة في طلب الحسبة: فصل: على المحتسب أن يكون رفيقًا لين القول عند الأمر والنهي ... اهـ.
والخلاصة أن الرفق هو الأصل، ولا ينتقل عنه إلى العنف إلا إذا احتاج المقام إليه, وقد سبق لنا بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله بالحكمة والرفق والقدوة الحسنة، وذلك في الفتوى رقم: 69817, كما تقدم ذكر مجالات الرفق وعلاماته في الفتوى رقم: 46076.
وراجع لمزيد الفائدة عن ذلك الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 138316، 104183، 130054، 196301. ويمكن الاستفادة من كتاب الرفق واللين من صفات الداعية للدكتور فضل إلهي. وكتاب مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة للدكتور سعيد القحطاني.
والآمِر بالمعروف مأجورٌ - حتى ولو لم يمتثل المأمور أصلًا - فما بالنا إذا امتثل!

وأما أمر النية والإخلاص: فهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، ومع ذلك فيحسن أن يذكَّر المأمور بالاحتساب والإخلاص وإحسان النية, ويُرغب ويُرهَّب بالله وتعالى واليوم الآخر، وهذا هو مقتضى الحكمة والموعظة الحسنة المذكورة في قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] وراجع في ذلك الفتويين: 194605، 130761.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني