الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        معلومات الكتاب

                        إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

                        الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

                        جزء صفحة
                        إِذَا تَقَرَّرَ لَكَ أَنَّ الْعَامِّيَّ يَسْأَلُ الْعَالِمَ ، وَالْمُقَصِّرَ يَسْأَلُ الْكَامِلَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ الْمَعْرُوفِينَ بِالدِّينِ ، وَكَمَالِ الْوَرَعِ ، عَنِ الْعَالِمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، الْعَارِفِ بِمَا فِيهِمَا ، الْمُطَّلِعِ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي فَهْمِهَا مِنَ الْعُلُومِ الْآلِيَّةِ ، حَتَّى يَدُلُّوهُ عَلَيْهِ ، وَيُرْشِدُوهُ إِلَيْهِ ، فَيَسْأَلُهُ عَنْ حَادِثَتِهِ طَالِبًا مِنْهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ فِيهَا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ ، أَوْ مَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْحَقَّ مِنْ مَعْدِنِهِ ، وَيَسْتَفِيدُ الْحُكْمَ مِنْ مَوْضِعِهِ ، وَيَسْتَرِيحُ مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ الْمُتَمَسِّكُ بِهِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ ، الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ ، الْمُبَايِنِ لِلْحَقِّ ، وَمَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَنْهَجَ ، وَمَشَى فِي هَذَا الطَّرِيقِ ؛ لَا يَعْدَمُ مَطْلَبَهُ ، وَلَا يَفْقِدُ مَنْ يُرْشِدُهُ إِلَى الْحَقِّ ، فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - قَدْ أَوْجَدَ لِهَذَا الشَّأْنِ مَنْ يَقُومُ بِهِ ، وَيَعْرِفُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ، وَمَا مِنْ مَدِينَةٍ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَّا وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْمُقَصِّرِ حُكْمَ الْمُقَصِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَتَابِعِيهِمْ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَرْوُونَ النُّصُوصَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَيَعْمَلُونَ عَلَى مَا يُرْشِدُونَهُمْ إِلَيْهِ وَيَدُلُّوهُمْ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْأُصُولِ أَنَّهُ يَكْفِي الْعَامِّيَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْفَتْوَى بِأَنْ يَرَى النَّاسَ مُتَّفِقِينَ عَلَى سُؤَالِهِ ، مُجْتَمِعِينَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ ، وَلَا يَسْتَفْتِي مَنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ . وَحَكَى فِي الْمَحْصُولِ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْمَنْعِ ، وَشَرَطَ الْقَاضِي أَخْبَارَ مَنْ يُوجِبُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ عَالِمًا فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَا يَكْفِي خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ ، فَاكْتَفَوْا بِخَبَرِ عَدْلَيْنِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْمَنْخُولِ ، فَقَالَ : وَاشْتِرَاطُ تَوَاتُرِ الْخَبَرِ بِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا ، كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ غَيْرُ سَدِيدٍ ، وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ امْتِحَانَهُ بِالْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّقَةِ ، وَمُرَاجَعَتَهُ فِيهَا ، فَإِنْ أَصَابَ فِي الْجَوَابِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا تَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ بَيْنَ النَّاسِ . قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي الْوَجِيزِ : قِيلَ : يَقُولُ لَهُ أَمُجْتَهِدٌ أَنْتَ ، وَأُقَلِّدُكَ ؟ فَإِنْ أَجَابَهُ قَلَّدَهُ . قَالَ : وَهَذَا أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ خَبَرُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَنْ فِقْهِهِ وَأَمَانَتِهِ ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ طَرِيقُ الْأَخْبَارِ . انْتَهَى . وَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ جَمَاعَةٌ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، الْمُسَوِّغَةِ لِلْأَخْذِ عَنْهُمْ ، فَالْمُسْتَفْتِي مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمْ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهُوَ الْأَصَحُّ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ وَإِلْكِيَا : إِنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الْأَعْلَمِ مِنْهُمْ ، فَيَسْأَلُهُ ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ ابْنُ سُرَيْجٍ ، وَالْقَفَّالُ ، قَالُوا : لِأَنَّ الْأَعْلَمَ أَهْدَى إِلَى أَسْرَارِ الشَّرْعِ . وَإِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فَتْوَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ ، فَقِيلَ : هُوَ مُخَيَّرٌ يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ مِنْهَا ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَصَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ، وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ ، وَالْقَاضِي وَالْآمِدِيُّ . وَاسْتَدَلُّوا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمَفْضُولِ ، مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ . وَقِيلَ : يَأْخُذُ بِالْأَغْلَظِ ، حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . وَقِيلَ : يَأْخُذُ بِالْأَخَفِّ . وَقِيلَ : يَبْحَثُ عَنِ الْأَعْلَمِ مِنْهُمْ ، فَيَأْخُذُ بِقَوْلِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الْأَعْلَمِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ . وَقِيلَ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ يَعْمَلُ عَلَى الرِّوَايَةِ دُونَ الرَّأْيِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ . وَقِيلَ : يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيمَا يَأْخُذُ ، مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ . وَقِيلَ : إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَخَذَ بِالْأَخَفِّ ، وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ أَخَذَ بِالْأَغْلَظِ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ . وَقِيلَ : إِنَّهُ يَسْأَلُ الْمُخْتَلِفِينَ عَنْ حُجَّتِهِمَا إِنِ اتَّسَعَ عَقْلُهُ لِفَهْمِ ذَلِكَ ، فَيَأْخُذُ بِأَرْجَحِ الْحُجَّتَيْنِ عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ عَقْلُهُ لِذَلِكَ أَخَذَ بِقَوْلِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ . قَالَهُ الْكَعْبِيُّ .

                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                        الخدمات العلمية