الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد ، وبعثه [ ص: 97 ] إلى أكيدر دومة ، وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة ،  وكان ملكا عليهم ، وكان نصرانيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد : إنك ستجده يصيد بقر الوحش فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة ، وهو على سطح له ، ومعه امرأته ، فباتت البقر تحك قرونها بباب القصر ، فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال : لا والله ، قالت : فمن يترك هذا ؟ قال : لا أحد ، فنزل أكيدر دومة ، وأمر بفرسه فأسرج ، وركب في نفر من أهل بيته ومعه أخوه حسان ، فلما خرجوا بمطاردهم تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم خالد بن الوليد ، فقتلوا أخاه حسانا ، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد ، وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ، ويعجبون منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتعجبون من هذا ، والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا ، ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه ، وصالحه على الجزية ، ثم خلى سبيله ، ورجع [ ص: 98 ] إلى قريته .

وافتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك ، فقال : ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله ، حبسه برداه والنظر في عطفيه ، فقال له معاذ بن جبل : بئس والله ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة يقصر الصلاة ولم يجاوزها ، ثم انصرف قافلا إلى المدينة ، وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروي الراكب ، والراكبين ، والثلاثة بواد - يقال له : المشقق - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى آتيه ، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده فيها ، فجعل ينصب في يده ما شاء الله أن ينصب ، ثم مجه فيه ، ودعا الله بما شاء أن يدعو ، فانخرق من الماء فشرب الناس ، واستقوا حاجتهم منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن بقيتم أو بقي منكم لتسمعن بهذا الوادي ، وهو أخصب ما بين يديه ، وما خلفه   [ ص: 99 ] وذاك الماء فوارة تبوك اليوم ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بعض المنازل .

ومات عبد الله ذو البجادين ، فحفروا له ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته ، وأبو بكر ، وعمر يدليانه إليه ، وهو يقول : أدليا لي أخاكما ، فأدلوه إليه ، فلما هيأه لشقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه ، فقال عبد الله بن مسعود : يا ليتني كنت صاحب الحفرة ، وكان المسلمون يقولون : لا جهاد بعد اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام .

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة مساجد في منازله معروفة إلى اليوم ،  فأولها مسجد تبوك ومسجد بثنية مدران ، ومسجد بذات الزراب ، ومسجد بالأخضر ، ومسجد بذات الخطمي ، ومسجد بذات البتراء ، ومسجد بالشق ، ومسجد بذي الجيفة [ ص: 100 ] ومسجد بالصدر ، ومسجد وادي القرى ، ومسجد الرقعة ، ومسجد بذي مروة ، ومسجد بالفيفاء ، ومسجد بذي خشب ،.

التالي السابق


الخدمات العلمية