الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 84 ] السنة التاسعة من الهجرة

أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان ، ثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن ابن عباس قال : لم أزل حريصا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله لهما : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، فقال عمر : واعجبا لك يا ابن عباس ، ثم قال : هي عائشة وحفصة ، ثم أنشأ يسوق الحديث ، فقال : كنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدناهم قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، وكان منزلي في بني أمية بن زيد في العوالي . قال : فتغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن [ ص: 85 ] تراجعني ، فقالت : ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه . وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فانطلقت فدخلت على حفصة ، فقلت : أتراجعين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم ، وتهجره إحدانا اليوم إلى الليل . قال : قلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هي قد هلكت فلا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تسأليه شيئا ، وسليني ما بدا ذلك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك - يريد عائشة - قال : وكان لي جار من الأنصار ، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فينزل يوما وأنزل يوما ، فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وآتيه بمثل ذلك ، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا . قال : فنزل صاحبي يوما ، ثم أتاني عشاء فضرب علي بابي ، ثم ناداني فخرجت إليه ، فقال : حدث أمر عظيم ؟ فقلت : وما ذا ؟ أجاءت غسان ؟ قال : لا ، بل أعظم من ذلك وأطول ، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، فقلت : خابت حفصة وخسرت ، قد كنت أظن هذا كائنا ، فلما صليت الصبح شددت علي ثيابي ، ثم نزلت فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي [ ص: 86 ] فقلت : أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : لا أدري ، هو ذا معتزل في هذه المشربة . قال : فأتيت غلاما له أسود ، فقلت : استأذن لعمر ، فدخل الغلام ثم خرج إلي ، وقال : قد ذكرتك له ، ولم يقل شيئا ، فانطلقت حتى أتيت المسجد فإذا قوم حول المنبر جلوس يبكي بعضهم إلى بعض . قال : فجلست قليلا ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام ، فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي ، وقال : قد ذكرتك له فصمت ، فرجعت ثم جلست إلى المنبر ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي ، فقال : قد ذكرتك له فسكت ، فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني ويقول : ادخل قد أذن لك ، فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر بجنبه ، فقلت : أطلقت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءك . قال : فرفع رأسه إلي ، وقال : لا ، فقلت : الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله ، وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فتغضبت على امرأتي يوما ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت ذلك عليها ، فقالت لي : أتنكر أن أراجعك ، فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليلة . قال : فقلت : قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر ، أتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ، فإذا هي قد هلكت . قال : فتبسم رسول الله صلى الله [ ص: 87 ] عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، فدخلت على حفصة ، فقلت لها : لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئا ، وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك . قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرى ، فقلت : أستأنس يا رسول الله ، قال : نعم . قال : فجلست فرفعت رأسي في البيت ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهبا ثلاثة ، فقلت : يا رسول الله ، ادع الله أن يوسع على أمتك ، فقد وسع الله على فارس والروم ، وهم لا يعبدونه . قال : فاستوى جالسا ، ثم قال : أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ، فقلت : استغفر لي يا رسول الله ، وكان أقسم أن لا يدخلن عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله .

قال الزهري : فأخبرني عروة عن عائشة قالت : فلما مضى تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدأ بي ، فقلت : يا رسول الله ، إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا ، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن ، فقال : إن الشهر تسع وعشرون ، ثم قال : يا عائشة ، إني ذاكر لك أمرا ، فلا أراك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك . قالت ، ثم قرأ علي الآية : يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها . [ ص: 88 ] إلى قوله : عظيما . قالت عائشة : قد علم والله أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، فقلت : أفي هذا أستأمر أبوي ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة . قال في أول هذه السنة هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا ،  وكان السبب في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح ذبحا ، فأمر عائشة أن تقسم بين أزواجه ، فأرسلت إلى زينب بنت جحش نصيبها فردته . قال : زيديها فزادتها ثلاثا ، كل ذلك ترده ، فقالت عائشة : قد أقمأت وجهك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتن أهون على الله من أن تغضبن ، لا أدخل عليكن شهرا ، فدخل عليهن بعد مضي تسع وعشرين يوما .

التالي السابق


الخدمات العلمية