الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس  ، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فيهم كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية وغيرهم ، فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منهم على نيتهم ، ويكل سرائرهم إلى الله حتى جاء كعب بن مالك فسلم عليه فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم المغضب ، ثم قال له : تعال فجاء كعب بن مالك يمشي حتى جلس بين يديه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلفك ؟ ألم تكن ابتعت ظهرك ؟ قال : بلى يا رسول الله ، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدك ، وإن لي لسانا ، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضين به عني ، وليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديثا صادقا تجد علي فيه ، وإني لأرجو عقبى الله فيه ، لا والله ما كان لي عذر ، ووالله ما كنت قط [ ص: 101 ] أقوى وأيسر مني حين تخلفت عنك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدقت ، قم حتى يقضي الله فيك ، فقام وثار معه رجال من بني سلمة ، واتبعوه وقالوا : ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اعتذر إليه المخلفون ، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ، وجعلوا ينوبونه حتى أراد أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكذب نفسه ، ثم قال لهم : هل لقي هذا أحد غيري ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت ، وقال لهما : مثل ما قال لك . قال : ومن هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية الواقفي ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام هؤلاء الثلاثة ، فأما مرارة وهلال فقعدا في بيوتهما ، وأما كعب بن مالك فكان أشب القوم وأجلدهم ، وكان يخرج ويشهد الصلاة مع المسلمين ، ويطوف في الأسواق ، ولا يكلمه أحد ، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصلاة ، ويقول في نفسه : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم يصلي قريبا منه ، ويسارقه النظر فإذا أقبل كعب على صلاته [ ص: 102 ] نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا التفت نحوه أعرض عنه حتى طال ذلك عليه من جفوة المسلمين ، ثم مر كعب حتى تسور جدار أبي قتادة وهو ابن عمه وأحب الناس إليه ، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام ، فقال له : يا أبا قتادة ، أنشدك الله ، هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ فسكت فعاد ينشده ، فسكت فعاد ينشده ، فقال الله ورسوله أعلم ، ففاضت عينا كعب ، ووثب فتسور الجدار ، ثم غدا إلى السوق فبينا هو يمشي ، وإذا نبطي من نبط الشام يسأل عنه ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ، وهو يقول : من يدل على كعب بن مالك ، فجعل الناس يشيرون إليه حتى جاء كعبا ، فدفع إليه كتابا من ملك غسان في سرقة حرير فيه : أما بعد ، فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ، ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك ، فلما قرأ كعب الكتاب قال : وهذا من البلاء أيضا قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك ، ثم عمد بالكتاب إلى تنور فسجره به ، ثم أقام على ذلك حتى إذا مضى أربعون ليلة أتاه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقال كعب : أطلقها أم ماذا ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل [ ص: 103 ] إلى مرارة وهلال بمثل ذلك ، فقال كعب لامرأته الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض ، وجاءت امرأة هلال بن أمية ، فقالت : يا رسول الله ، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له ، أفتكره أن أخدمه قال : لا ، ولكن لا يقربنك . قالت : والله يا رسول الله ما به من حركة إلي ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ، والله لقد تخوفت على بصره فلبثوا بعد ذلك عشر ليال حتى كمل خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامهم ، فصلى كعب بن مالك الصبح على ظهر بيت من بيوته على الحال التي ذكر الله منه ، ضاقت عليه الأرض برحبها ، وضاقت عليه نفسه ، إذ سمع صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك ، أبشر ، فخر كعب لله ساجدا ، وعرف أنه قد جاء الفرج ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عليهم حين صلى الصبح ، ثم جاء كعبا الصارخ بالبشرى ، فنزع ثوبيه فكساهما إياه ببشارته ، واستعار ثوبين فلبسهما ، ثم انطلق يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلقاه الناس يتهنأونه بالتوبة ويقولون : ليهنك توبة الله عليك حتى دخل المسجد [ ص: 104 ] ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إليه طلحة بن عبيد الله فحياه وهنأه ، فلما سلم كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يبرق بالسرور : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ، فقال كعب : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : بل من عند الله ، ثم جلس بين يديه فقال : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، فقال : إني ممسك سهمي الذي بخيبر ، ثم قال : يا رسول الله ، إن الله قد نجاني بالصدق ، فإن توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ، إلى قوله : إن الله هو التواب الرحيم  

التالي السابق


الخدمات العلمية