الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يحج حجة الوداع فأذن في الناس أنه خارج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى ذا الحليفة فولدت أسماء بنت [ ص: 125 ] عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أصنع ؟ قال اغتسلي ، واستثفري بثوب وأخرى ،  ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، وأمر ببدنة أن تشعر ، وسلت عنها الدم ، ثم ركب القصواء ، فلما استوت به ناقته على البيداء أهل ، وإن بين يديه وخلفه ، وعن يمينه ويساره من الناس ما بين راكب وماش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ، فأهل : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك إن الحمد ، والنعمة لك ، والملك لا شريك لك ، وأهل الناس معه ، فمنهم من أهل مفردا ، ومنهم من أهل قارنا حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من الثنية ، فلما دخل مكة توضأ إلى الصلاة ، ثم دخل من باب بني شيبة ، فلما أتى الحجر استلمه ، ورمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وجعل المقام بينه وبين البيت ، وصلى ركعتين قرأ فيهما : قل هو الله أحد و: قل يا أيها الكافرون ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما رقي على الصفا قرأ : إن الصفا والمروة من شعائر الله ، وقال : أبدأ بما بدأ الله ، فلما رقي عليها ورأى البيت استقبل القبلة وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده - قال ذلك ثلاث مرات - فلما نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي [ ص: 126 ] خب حتى إذا صعد مشى ، فلما أتى المروة صعد عليها ، وفعل عليها ما فعل على الصفا ، حتى إذا كان آخر طواف على المروة ، فقال : لو استقبلت ما استدبرت لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل ، وليجعلها عمرة . فقال سراقة بن مالك بن جعشم : يا رسول الله لعامنا هذا أو للأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ، وقال : دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا بل للأبد .

وقدم علي من اليمن فوجد فاطمة قد لبست ثياب صبغ واكتحلت ، فأنكر ذلك عليها ، فقالت أبي أمرني بهذا ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : بم فرضت الحج ؟ قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن معي الهدي فلا تحل ، فكان الهدي الذي قدم به علي بن أبي طالب من اليمن ، والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مائة ، فحل الناس وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان معه هدي  ، واعتل سعد بن أبي وقاص ، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى سعد ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك ؟ فقال : خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن [ ص: 127 ] خولة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اشف سعدا - ثلاثا - فقال : يا رسول الله ، إن لي مالا كثيرا ، وأنعما ، ومورثتي بنت لي واحدة ، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : لا . قال : فالنصف ؟ قال : لا .  قال : الثلث ؟ قال الثلث والثلث كثير ، إنك إن صدقت مالك صدقة ، وإن نفقتك على عيالك صدقة ، وما تأكل امرأتك من طعامك صدقة ، وأن تدع أهلك بخير خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة .

فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ، وأهل الناس بالحج ، فصلى بهم الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، والصبح بمنى ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، وأمر بقبة له فضربت له بنمرة ، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تشك قريش إلا أنه ، واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فلما أتى بطن الوادي خطب الناس ، وقال في خطبته إن دماءكم ، وأموالكم لكم حرام كحرمة [ ص: 128 ] يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن ، وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله ، وأنتم تسألون عني ، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ، ونصحت ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء : اللهم اشهد ، ثم أذن ، وأقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ، ثم ركب حتى أتى الموقف ، فجعل بطن القصواء إلى الصخرة ، وجعل جبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا - والمسلمون معه - حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا ، ثم أردف أسامة بن زيد خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد شفق للقصواء الزمام ، ويقول بيده اليمنى : أيها الناس ، السكينة كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ، فلما أتى المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر ، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل [ ص: 129 ] القبلة ودعا وكبر وهلل ، ثم لم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن عباس حتى أتى محسر ، فسلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى الجمرة الكبرى ، فلما أتى الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، رماها من بطن الوادي بمثل حصى الخذف ، ثم انصرف إلى المنحر ، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ، ثم أعطى فنحر ما غبر منها ، وأشركه في هديه ، وأمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر فطبخت ، فأكلا من لحمها ، وشربا من مرقها ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء فأتى البيت فطاف طواف الزيارة ، ثم قال : يا بني عبد المطلب انزعوا ، فلولا أن يغلبكم الناس لنزعت منكم ، فناولوه دلوا من زمزم فشرب منه ، ثم رجع - صلى الله عليه وسلم - إلى منى وصلى الظهر بها ، ثم أقام بها أيام منى ، ثم ودع البيت وخرج إلى المدينة حتى دخلها والمسلمون معه ، فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وبعض صفر .

التالي السابق


الخدمات العلمية