الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ذكر وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -   ) أخبرنا أبو يعلى ، حدثنا أحمد بن جميل المروزي ، ثنا عبد الله بن المبارك ، [ ص: 130 ] أنا معمر ، عن يونس ، عن الزهري ، أخبرني أنس بن مالك أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين ، وأبو بكر يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كشف ستر حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم صفوف في صلاتهم ، ثم تبسم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف ، وظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه ، فأشار إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن اقضوا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر بينه وبينهم ، وتوفي في ذلك اليوم .

قال : أول ما اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر ، وهو في بيت ميمونة حتى أغمي عليه من شدة الوجع ، فاجتمع عنده نسوة من أزواجه ، والعباس بن عبد المطلب ، وأم سلمة ، وأسماء بنت عميس الخثعمية - وهي أم عبد الله بن جعفر - ، وأم الفضل بنت الحارث - وهي أخت ميمونة - فتشاوروا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أغمي عليه ، فلدوه وهو مغمر ، فلما أفاق قال : من فعل بي هذا ؟ قالوا : يا رسول الله ، عمك العباس . قال : هذا عمل [ ص: 131 ] نساء جئن من هاهنا - وأشار إلى أرض الحبشة - فقالوا : يا رسول الله ! أشفقن أن يكون بك ذات الجنب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما كان الله ليعذبني بذلك الداء ، ثم قال : لا يبقين أحد في الدار إلا لد إلا العباس .

فلما ثقل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلة ، استأذنت عائشة أزواجه أن تمرضه في بيتها فأذن لها ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين رجلين تخط رجلاه في الأرض : بين عباس وعلي ، حتى دخل بيت عائشة ، فلما دخل بيتها اشتد وجعه فقال : أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ; لعلي أعهد إلى الناس ، فأجلسوه في مخضب لحفصة ، ثم صب عليه من تلك القرب ، حتى جعل يشير إليهن بيده أن قد فعلتن ، ثم قال : ضعوا لي في المخضب ماء . ففعلوا فذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق قال : ضعوا لي في المخضب ماء ففعلوا ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، فأفاق وقال : أصلى الناس بعد ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، وهم ينتظرونك ، والناس عكوف ينتظرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; ليصلي بهم العشاء الآخرة ، فقال : مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ، فقالت عائشة : يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق ، وإنه إذا قام مقامك بكى ، فقال : مروا أبا بكر يصلي بالناس ، ثم أرسل إلى أبي بكر ، فأتاه الرسول فقال : [ ص: 132 ] إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال أبو بكر : يا عمر ، صل بالناس . فقال : أنت أحق ، إنما أرسل إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام .

ثم وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نفسه خفة ، فخرج لصلاة الظهر بين العباس وعلي ، وقال لهما : أجلساني عن يساره ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ، ثم وجد خفة - صلى الله عليه وسلم - فخرج فصلى خلف أبي بكر قاعدا في ثوب واحد ، ثم قام وهو عاصب رأسه بخرقة ، حتى صعد المنبر ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، إني لقائم على الحوض الساعة ، ثم قال : " إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة " ، فلم يفطن لقوله إلا أبو بكر ، فذرفت عيناه وبكى وقال : بأبي وأمي ! نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أمن الناس علي في بدنه ودينه وذات يده أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر ، ثم نزل ودخل البيت وهي آخر خطبة خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 133 ] فلما كان يوم الاثنين كشف الستارة من حجرة عائشة ، والناس صفوف خلف أبي بكر ، وكأن وجهه ورقة مصحف ، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأشار إليهم أن مكانكم ، وألقى السجف ، وتوفي آخر ذلك اليوم
، وكان ذلك اليوم لاثنتي عشرة خلون من شهر ربيع الأول . وكان مقامه بالمدينة عشر حجج سواء ، وكانت عائشة تقول : توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي ويومي ، وبين سحري ونحري ، وكان أحدنا يدعو بدعاء إذا مرض ، فذهبت أعوذ فرفع رأسه إلى السماء ، وقال : في الرفيق الأعلى ، ومر عبد الرحمن بن أبي بكر ، وفي يده جريدة خضراء رطبة فنظر إليه ، فظننت أن له بها حاجة ، فأخذتها فمضغت رأسها ثم دفعتها إليه ، فاستن بها ، ثم ناولنيها ، وسقطت من يده ، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة . وكان أبو بكر في ناحية المدينة فجاء فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مسجى ، فوضع فاه على جبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وجعل يقبله ويبكي ويقول : بأبي وأمي ، طبت حيا وطبت ميتا ، فلما خرج ومر بعمر بن الخطاب ، وعمر يقول : ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يموت حتى يقتل المنافقين ويخزيهم ، وكانوا قد [ ص: 134 ] رفعوا رؤوسهم لما رأوا أبا بكر ، فقال أبو بكر لعمر : أيها الرجل ، أربع على نفسك ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات ، ألم تسمع الله يقول : إنك ميت وإنهم ميتون ، وقال : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ، ثم أتى أبو بكر المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن كان محمد إلهكم الذي تعبدونه ، فإن إلهكم قد مات ، وإن كان إلهكم الذي في السماء ، فإن إلهكم لم يمت ، ثم تلا :وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم حتى ختم الآية ، وقد استيقن المؤمنون بموت محمد - صلى الله عليه وسلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية