ثم كتابا إلى أبو بكر الصديق يخبره بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعثه مع معاذ بن جبل ، عمار بن ياسر وقد كان كتب معاذ أتى اليمن ، فبينا هو ذات ليلة على فراشه ، إذا هو بهاتف يهتف عند رأسه : يا معاذ كيف يهنئك العيش ومحمد في سكرات الموت ؟ ! فوقف فزعا ما ظن إلا أن القيامة قد قامت ، فلما رأى السماء مصحية والنجوم ظاهرة ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم نودي الليلة الثانية : يا معاذ كيف يهنئك العيش ومحمد بين أطباق الثرى ؟ ! فجعل معاذ يده على رأسه ، وجعل يتردد في سكك صنعاء ، وينادي بأعلى صوته : يا أهل اليمن ذروني لا حاجة لي في جواركم ، فما شر الأيام يوم جئتكم وفارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخرج الشبان من الرجال والعواتق من النساء ، وقالوا : يا معاذ ما الذي دهاك ؟ فلم يلتفت إليهم ، وأتى منزله ، وشد على راحلته ، وأخذ جرابا فيه سويق وإداوة من ماء ، ثم قال : لا أنزل عن ناقتي هذه إن شاء الله إلا لوقت صلاة حتى آتي المدينة ، فبينا هو على ثلاثة مراحل من المدينة إذ لقيه عمار فعرفه بالبعير قال : اعلم يا معاذ أن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا ، فقال معاذ : يا أيها الهاتف في هذا الليل القار من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا ، قال : وأين تريد ؟ قال : هذا كتاب عمار بن ياسر أبي بكر إلى معاذ يعلمه أن محمدا قد مات وفارق الدنيا ، قال معاذ : فإلى من المهتدى والمشتكى ؟ فمن لليتامى والأرامل والضعفاء ؟ [ ص: 163 ] ثم سار ورجع عمار معه ، وجعل يقول : نشدتك بالله كيف أصحاب محمد ؟ قال : تركتهم كنعم بلا راع قال : كيف تركت المدينة ؟ قال : تركتها وهي أضيق على أهلها من الخاتم ، فلما كان قريبا من المدينة ، سمعت عجوزا وهي تذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي فقالت : يا عبد الله ، لو رأيت ابنته وهي تبكي وتقول : يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه انقطع عنا أخبار السماء ، ولا ينزل الوحي إلينا من عند الله أبدا ، فدخل فاطمة معاذ المدينة ليلا ، وأتى باب ، فدق عليها الباب فقالت : من هذا الذي يطرق بنا ليلا ؟ قال : أنا عائشة ففتحت الباب فقال : يا معاذ بن جبل ، كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند شدة وجعه ؟ قالت : يا معاذ ، لو رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصفار مرة ويحمار أخرى ، يرفع يدا ويضع أخرى لما هنأك العيش طول أيام الدنيا ، فبكى عائشة ، معاذ حتى خشي أن يكون الشيطان قد استفزه ، ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، وأتى أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .