ثم كانت غزوة الحديبية
ذي الحليفة، واستخلف على المدينة وساق ابن أم مكتوم، أبو بكر بدنا، وطلحة بدنا، وسعد بن عبادة بدنا، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم غدير عسفان ذات - الأشطاط لقيه بسر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله، هذه قريش سمعت بك وخرجت، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا في خيلهم قد قدموها إلى خالد بن الوليد كراع الغميم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قرش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وآووني، ووالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله عليه حتى يظهرني الله، ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية، فلما بلغ صلى الله [ ص: 297 ] عليه وسلم ثنية المرار، بركت ناقته، فقالوا: خلأت القصواء، فقال: ما خلأت القصواء، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا يدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها، ثم قال للناس: انزلوا، فقالوا: يا رسول الله ما بالوادي ما ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس بعطن، فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرا لهذا البيت، فقالوا: وإن جاء لذلك فلا، والله لا يدخلها علينا عنوة ولا تتحدث بذلك العرب، ثم بعثوا مكرز بن حفص بن الأحنف أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا رجل غادر، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنحو ما كلم به أصحابه، فرجع إلى قريش، وأخبرهم بذلك، فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش [ ص: 298 ] فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه، فلما رأى الهدي يسير عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس، رجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش قد رأيت ما لا يحل صد الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا: اجلس لا علم لك، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما دخل مكة أراد قريش قتله فمنعه الأحابيش، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعث إلى عمر بن الخطاب مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس لي بها من بني - عدي بن كعب أحد يمنعني [ ص: 299 ] وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه إلى قريش ليخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا عثمان بن عفان، البيت، معظما لحرمته - فخرج حتى أتى عثمان بن عفان مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته، وحمله بين يديه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق حتى أتى وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف أبا سفيان بالبيت فطف به - فقال عثمان: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع عثمان.
[ ص: 300 ] وبعث قريش أحد سهيل بن عمرو بني عامر بن لؤي، وقالوا: ائت محمدا وصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتى فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد أراد القوم الصلح حتى بعثوا هذا الرجل، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال علي بن أبي طالب، سهيل: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ ص: 301 ] اكتب باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو، فقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، فكتب: محمد بن عبد الله، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن بهذا الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه - من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابهم بغير إذن - وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه، وأنه لا أسلال ولا أغلال، فلما فرغ [ ص: 302 ] من الكتاب - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل - قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس انحروا واحلقوا، فما قام رجل من المسلمين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فقال: يا أم سلمة، ما شأن الناس؟ قالت له: يا رسول الله قد أحل بهم ما رأيت، كأنهم كرهوا الصلح، فاعمد [ ص: 303 ] إلى هديك حيث كان، وانحر واحلق، فإنك لو فعلت ذلك فعلوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحرها، ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون، فحلق رجال منهم وقصر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: والمقصرين، قالوا: ما بال المحلقين يا رسول الله ذكرت لهم الترحم؟ قال: لأنهم لم يشكوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة على الناس تحت الشجرة هناك، أن لا يفروا فبايعه الناس كلهم غير الجد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره، فذلك قول الله عز وجل: أم سلمة إذ يبايعونك تحت الشجرة وقال صلى الله عليه وسلم: لن يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية.
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت عليه سورة الفتح إنا فتحنا لك فتحا إلى آخر السورة، فما فتح في الإسلام فتح أعظم من نزول هذه السورة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ألف وثمانمائة رجل وسبعون بدنة، فأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من [ ص: 296 ] .
ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكانت الهدنة [ ص: 304 ] وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا، واستفاضوا، ولا يكلم أحد بالإسلام يعقل عنه إلا دخل فيه، حتى دخل فيه في تلك السنة من المسلمين قريبا مما كان قبل ذلك وفي هذه العمرة أذى في رأسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق ويذبح شاة ويصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين مدين كعب بن عجرة أصاب [ ص: 305 ] ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش، فرده، وقال: لم نرده ولكنا حرم الصعب بن جثامة وأهدى .
وفي هذه العمرة الحديبية، فلما انصرف أقبل عليهم بوجهه فقال: أتدرون [ ص: 306 ] ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب. صلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح في إثر سماء في
وفي هذه العمرة أصاب الناس عطش شديد، فحبسوا، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في الركوة، فثار الماء مثل العيون، فتوضؤوا منها ورووا .