الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم كانت غزوة خيبر

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم إلى خيبر ، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ، وقدم عينا له ليجيئه بالخبر ، وأخرج من نسائه أم سلمة ، وخرج على الأموال بجيشه فلا يمر بمال إلا أخذه ، ويقتل من فيه ، ويفتتحها حصنا حصنا ، فأول ما أصاب منها حصن ناعم ، ثم حصن الصعب بن معاذ ، ثم حصن القموص ، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حصنهم الوطيح ، والسلالم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا أصبح قوما أو غزا [ ص: 11 ] لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبلهم عمال خيبر بمساحيهم ، ومكاتلهم ، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم والجيش ، قالوا : محمد ، والله ، والخميس ، وأدبروا هرابا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، فخرج مرحب اليهودي من الحصن يرتجز ، ويطلب البراز ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لهذا ؟ فقال محمد بن مسلمة ، أنا يا رسول الله ، فلما دنا أحدهم من صاحبه بادر مرحب بالسيف ، فاتقاه محمد بن مسلمة بدرقته ، فوقع سيفه فيها ، وعضت به الدرقة ، فأمسكت فضربه محمد بن مسلمة فقتله ، ثم بعث رسول الله [ ص: 12 ] صلى الله عليه وسلم رجلا يقاتل ، فمر ورجع ، ولم يكن فتحا ، ثم بعث آخر يقاتل ، فمر ورجع ، ولم يكن فتحا ، وحمي الحرب بينهم ، وتقاعسوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله [ ص: 13 ] ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ليس بفرار ، فلما أصبح دعا عليا ، وهو أرمد فتفل في عينيه فبرأ ، ثم قال : خذ هذه الراية ، واقبض بها حتى يفتح الله عليك ، فخرج علي يهرول ، والمسلمين خلفه حتى ركز رايته في رضم من حجارة ، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن ، وقال : من أنت ؟ فقال ، أنا علي بن أبي طالب ، فقال اليهودي : علوتم ، وما أنزل على موسى ، فلم يزل علي يقاتل حتى سقط ترسه من يده ، ثم تناول بابا صغيرا كان عند الحصن فاترس به ، فلم يزل في يده ، وهو يقاتل حتى فتح الله عليه [ ص: 14 ] ثم ألقاه من يده ، فلما أيقن اليهود بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ، وأن يسيرهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فنزلوا على ذلك وقالوا : يا محمد ، إنا نحن أرباب الأموال ، ونحن أعلم بها منكم ، فعاملناها فعاملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيبر على النصف ، فلما فعل ذلك أهل خيبر سمع بذلك أهل فدك بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم محيصة بن مسعود ، فنزلوا على ما نزلت عليه اليهود بخيبر على أن يسيرهم ، ويحقن دماءهم ، فعاملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل معاملة أهل خيبر ، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه [ ص: 15 ] وسلم خالصة ، وذلك أنه لم يوجف عليها بخيل ، ولا ركاب ، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ألف وثمانمائة سهم ، وكان الرجال بها ألفا وأربعمائة ، والفرس مائتي فرس ، فقسم للفارس ثلاثة أسهم : سهمين لفرسه ، وسهما له ، وللرجل سهما ، فكان للأفراس أربعمائة ، ولركابها ، ولرجالهم ألف ، وأربعمائة سهم ، وكان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عاصم بن عدي ، ثم أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا مشوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين أهل فدك في الصلح ، وأعطى محيصة بن مسعود ثلاثين وسقا من شعير ، وثلاثين وسقا من تمر ، وقسم سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم ، وبني المطلب فكانت قسمة خيبر على ما وصفنا ، وكانت صفية بنت حيي بن أخطب في السبي ، أخرجوها [ ص: 16 ] من حصن القموص فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آنية المشركين ، فقال : اغسلوها ، وكلوا فيها ، وأطعموا  ، وأطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا من نسائه اللاتي توفي ، وهن عنده تسعمائة وسق تمر ، ومن القمح مائة وثمانين وسقا ، فلما فرغوا من الغنائم وقسمها ، أكل المسلمون لحوم الحمر الأهلية ، فأمر مناديا فنادى في الناس إن الله ورسوله ينهيانكم عن المتعة ، وأمر بالقدور أن تكفأ ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم خطيبا ، فقال : لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني إتيان الحبائل من السبايا ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة ثيبا من السبي حتى يستبرئها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من غنيمة المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده  ، ثم اطمأن الناس ، وأهدت زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم لرسول الله [ ص: 17 ] صلى الله عليه وسلم شاة مصلية ، وأكثرت فيها من السم ، فلما وضعته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم ، ثم دعاها فاعترفت ، فقال ما حملك على ذلك ؟ فقالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر ، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وكان بشر بن البراء بن معرور يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منها قطعة ، وكان ذلك سبب موته .

التالي السابق


الخدمات العلمية