الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقتل من المسلمين بخيبر  

ربيعة بن أكثم بن سخبرة ، وثقف بن عمرو بن سميط ، ورفاعة بن مسروح ، وعبد الله بن الهبيب ، ومسعود بن قيس بن خلدة ، ومحمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة ، وأبو الضياح بن ثابت بن النعمان بن أمية ، ومبشر بن عبد المنذر بن الزنبر بن زيد بن أمية بن سفيان بن الحارث ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن مرة بن سراقة وأوس بن [ ص: 18 ] القائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن أثلة ، وعمارة بن عقبة بن حارثة بن غفار ، وبشر بن البراء بن معرور ، وكان سبب موته أكله من الشاة المسمومة ، وعند فراغ المسلمين من خيبر قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والله ما أدري بأي الأمرين أنا أشد فرحا بفتح خيبر أو قدوم جعفر ، ثم قام إليه فقبل ما بين عينيه .

فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إلى وادي القرى ، فحاصر أهله ليالي ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام له أهداه رفاعة بن زيد الجذامي ، فبينا هو يضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب فقتله ، فقال المسلمون : هنيئا له الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلا ، والذي نفسي بيده ، إن شملته الآن تحترق عليه في النار ، وكان غلها من فيء المسلمين ، فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أصبت شراكين لنعلين لي ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يبدلك الله مثلها في النار [ ص: 19 ] ثم أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي ، وقال : يا رسول الله ، إن لنا مالا بمكة فأذن لي فأذن له ، فقال : يا رسول الله ، وأن أقول ؟ قال : فقل ، قدم الحجاج بمكة ، وإذا قريش بثنية البيضاء يستمعون الأخبار ، وقد بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سار إلى خيبر ، وقد كانوا عرفوا أنها أكثر أرض الحجاز ريفا ، ومنعة ، ورجالا ، فلما رأوه قالوا : يا حجاج أخبرنا ; فإنه قد بلغنا أن القاطع سار إلى خيبر ، فقال الحجاج : عندي من الخبر ما يسركم . قالوا : ما هي يا حجاج ، فقال : هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط ، وأسر محمد أسرا ، فقالوا : لن نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه بين أظهرهم [ ص: 20 ] بمن كان قتل من رجالهم فقاموا ، وصاحوا بمكة : جاءكم الخبر ، وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم ، فقال الحجاج : أعينوني على مالي بمكة ، وعلى غرمائي ، فإني أقدم خيبر فأصيب من فيء محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار ؟ فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر أقبل حتى وقف على جنب الحجاج بن علاط . قال : يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئتنا به ؟ قال : وهل عندك حفظا لما وضعت عندك ؟ قال : نعم . قال : استأخر عني حتى ألقاك على خلاء ; فإني في جمع مالي كما ترى ، فانصرف حتى إذا فرغ الحجاج من جمع ماله ، وأراد الخروج لقي العباس ، فقال : احفظ علي حديثي ; فإني أخشى الطلب . قال : أفعل . قال : والله إني [ ص: 21 ] تركت ابن أخيك عروسا على ابنة ملكهم صفية بنت حيي ، ولقد افتتح خيبر فصارت له ولأصحابه . قال : ما تقول يا حجاج ؟ قال : إي والله ، فاكتم علي ثلاثا ، ولقد أسلمت ، وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا من أن أغلب عليه ، فإذا مضى ثلاث فأظهر أمرك ، فإن الأمر والله على ما تحب ، ثم خرج الحجاج بماله ، فلما كان اليوم الثالث من خروجه لبس العباس حلة ، وتخلق وأخذ عصاه ، ثم خرج حتى طاف بالكعبة ، فلما رأوه قالوا : يا أبا الفضل ، هذا والله التجلد لحر المصيبة . قال : كلا ، والذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر ، وأصبح عروسا على ابنة ملكهم ، وأحرز أموالهم وما فيها . قالوا : من جاء بهذا الخبر ؟ قال الرجل الذي جاءكم بما جاءكم به ، ولقد دخل عليكم ، وأخذ ماله ، وانطلق فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه ، ويكون معه ، قالوا : يا لعباد الله ، انفلت عدو الله ، والله لو علمنا لكان لنا وله شأن ، فلم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجوعه من خيبر إلى المدينة [ ص: 22 ] نزل بعض المنازل ، ثم قال : من يكلؤنا الليلة ؟ فقال بلال : أنا يا رسول الله ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وناموا ، وقام بلال يصلي فصلى ما شاء الله أن يصلي ، ثم استند إلى بعيره ، واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عيناه فنام فلم يوقظهم إلا حر الشمس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أصحابه هبا ، فقال : ماذا صنعت يا بلال ؟ فقال : يا رسول الله ، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك . قال : صدقت ، ثم اقتاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره غير كثير ، ثم أناخ فتوضأ ، وتوضأ الناس معه ، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة ، فصلى بالناس ، فلما سلم أقبل على الناس ، فقال : إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها ; فإن الله يقول : وأقم الصلاة لذكري .

ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وأبو هريرة أسلم ، وقدم المدينة ، والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وعليها سباع بن عرفطة الغفاري فصلى مع سباع الغداة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه يقرأ : ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا . الآية ، وكان عمرو بن أمية الضمري خطب أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى النجاشي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم بأرض الحبشة  حيث حمل كتاب النبي صلى الله [ ص: 23 ] عليه وسلم ، فزوجها النجاشي من رسول الله صلى الله عليه وسلم على مهر أربعمائة من عنده ، وكان الذي زوجها خالد بن سعيد بن العاص ، وبعثها النجاشي مع من بقي من المسلمين بأرض الحبشة إلى المدينة في سفينتين ، فلما بلغوا الجار ركبوا الظهر حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من خيبر ، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 24 ] ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ، وقدم عمرو بن العاص زائرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومسلما عليه من عند النجاشي ، وكان قد أسلم بأرض الحبشة ، ومعه عثمان بن طلحة العبدري ، وخالد بن الوليد بن المغيرة ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد سرية إلى بني مرة في ثلاثين رجلا فقتلوا ، ورجع وحده إلى المدينة.

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق سرية إلى نجد ، ومعه سلمة بن الأكوع ،  وبعث صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح في رمضان في مائة وثلاثين رجلا فأغاروا عليهم واستاقوا النعم [ ص: 25 ] والشاء ، وجاءوا بها إلى المدينة ، ونذروا لخروج العدو خلفهم فجاء السيل ، وحال الوادي بينهم وبين المسلمين ، ورجعوا إلى المدينة بالغنائم ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب سرية في ثلاثين رجلا إلى أرض هوازن  فخرج معه بدليل من بني هلال ، فكانوا يسيرون بالليل ، ويكمنون بالنهار حتى ملكوا هوازن ، ونذر القوم ، وهربوا ، ولم يلق عمر كيدا ، ثم رجع ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد إلى جناب في شوال معه حسيل بن نويرة  فأصابوا نعما ، وانهزم جمع عيينة بن حصين إلى المدينة [ ص: 26 ] ثم أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمر في ذي القعدة عمرة القضاء  لما فاتهم من العام الأول من عمرة الحديبية ، وعزم أن ينكح ميمونة فبعث أبا رافع ورجلا من الأنصار من المدينة إلى ميمونة ليخطبها له ، ثم أحرم ، وساق سبعين بدنة في سبعمائة رجل ، واستعمل على المدينة ناجية بن جندب الأسلمي ، وتحدثت قريش أن محمدا وأصحابه في عسر ، وجهد ، وحاجة ، فقدم صلى الله عليه وسلم مكة ، وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول :


خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله     يا رب إني مؤمن بقيله
أعرف حق الله في قبوله     نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله [ ص: 27 ]     ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله

واصطفت قريش عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه ، وأخرج عضده اليمنى ، وقال : رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة ، ثم استلم الركن فخب ثلاثا ، ومشى أربعا وخب المسلمون معه واستلم الركن وهرول بين الصفا والمروة ليرى المشركون أن به قوة ، ثم حلق ، ونحر البدن ، فكانت البدنة عن عشرة ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا ، وتزوج ميمونة بها ، وهي حل وهو حرام ، فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود في نفر من قريش قد وكلته بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، وقالوا : إنه قد انقضى أجلك ، فاخرج عنا ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بالمسلمين ، وخلف [ ص: 28 ] أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف ، فبنى بها وهما حلالان ، ثم رجع إلى المدينة ، ثم بعث صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من مكة بخمسين رجلا ابن أبي العوجاء السلمي في سرية إلى بني سليم ، فلقيهم بنو سليم على حرة فأصيب أصحابه ، ونجا هو بنفسه فقدم المدينة .

التالي السابق


الخدمات العلمية