الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم إن بكر بن عبد مناة بن كنانة خرجت على خزاعة ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة ، فقاتلوا ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال للمسلمين : كأنكم بأبي سفيان قد قدم لتجديد العهد بيننا ، وكان بديل بن ورقاء [ ص: 38 ] بالمدينة ، فخرج إلى مكة راجعا ، فلما بلغ عسفان لقيه أبو سفيان ، وكانت قريش قد بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجديد العهد ، فقال له أبو سفيان : من أين أقبلت يا بديل ؟ قال : سرت إلى خزاعة . قال : جزت بمحمد . قال : لا ، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه ، فقال : يا بنيتي ، ما أدري أرغبت بهذا الفراش عني أم رغبت بي عنه ؟ قالت : هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج أبو سفيان حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلمه فلم يرد عليه شيئا ، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 39 ] فقال : ما أنا بفاعل ، ثم خرج حتى أتى عمر فكلمه ، فقال عمر : أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم بهم ، ثم خرج أبو سفيان حتى دخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندها الحسن ابنها يدب ، فقال : يا علي ، إنك أمس القوم بي رحما ، وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت ، اشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ويحك يا أبا سفيان ، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه ، فالتفت إلى فاطمة ، فقال : هل لك أن تأمري ابنك هذا أن يجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : ما بلغ ذلك ابني أن يجير بين الناس . قال : يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، ما تنصح لي ؟ قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكن قم فأجر بين الناس ، والحق بأرضك . قال [ ص: 40 ] وترى ذلك يغني عني شيئا ؟ قال : والله ما أدري ؟ فقام أبو سفيان في المسجد فقال : أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس ، ثم خرج ، فلما قدم على قريش مكة قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته . قال : فوالله ما رد علي بشيء ، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا ، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي برأي صنعته ، فوالله ما أدري هل يغنيني شيئا أم لا ؟ قالوا : وبماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ، ففعلت . قالوا : فهل أجاز محمد ذلك ؟ قال : لا . قالوا : ويحك والله إن زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك ، والله ما يغني عنك ما فعلت ، ثم عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسير إلى مكة ، وأمرهم بالجد ، والتهيؤ ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش [ ص: 41 ] فلما صح ذلك منه ومن المسلمين ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبر بالذي قد أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أعطاه امرأة من مزينة ، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا ، فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليه قرونها ، ثم خرجت ، وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب ،  فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وقال : أدركا امرأة من مزينة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قدمنا عليه ، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة فاستنزلا ، والتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا ، فقال لها علي : إني أحلف بالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كذب ، ولا كذبنا ، إما أن تخرجي الكتاب ، وإلا نكشفنك ، فلما رأت الجد قالت : أعرض عني ، فأعرض عنها علي ، فحلت قرون رأسها واستخرجت الكتاب ، فدفعته إليه فجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا ، فقال : [ ص: 42 ] يا حاطب ، ما حملك على هذا ؟ قال : يا رسول الله ، والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة ، وكان لي بينهم أهل وولد ، فقال عمر : دعني أضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع يوم بدر إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم   .

التالي السابق


الخدمات العلمية