الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال فجمعت بالجعرانة ; وبعث في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري ، فأدرك الناس بعض من انهزم ، فساروا يرمون كل من لقوه ، ورمى أبا عامر بسهم فقتل ، وأخذ برايته بعده أبو موسى فقاتلهم ففتح له وهزمهم الله .

[ ص: 75 ] ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، وفيها مالك بن عوف ،  وقد عسكر جماعة من المشركين ، وعلى مقدمة خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة ، فقال : من قتل هذه ؟ قال : خالد بن الوليد ، فقال لرجل : أدرك خالدا ، وقل له : يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوا امرأة ، ولا ولدا ، ولا عسيفا   .

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف نزل قريبا ، فلم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطا فضرب [ ص: 76 ] معسكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسجده الذي بالطائف اليوم ، وحاصرهم بضع عشرة ليلة ، وأمر بقطع أعنابهم ، وقاد رجلا من هذيل من بني ليث ، وهو أول دم أقيد في الإسلام ، ثم نصب المنجنيق على حصنهم حتى فتحه الله عليه ، وكان في أيامه يقصر الصلاة .

وقد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائذ ، يقال له : ماتع ، مخنث ، يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول لخالد بن الوليد : يا خالد ، إن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ، فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان ; فإنها تقبل بأربع ، وتدبر بثمان ، فقال [ ص: 77 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا يفطن لما سمع به ، ثم قال لنسائه : لا يدخلن عليكن  ، فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى الجعرانة ، فقال له سراقة بن جعشم المدلجي : يا رسول الله ، ترد الضالة حوضي ، فهل فيه أجر إن أنا سقيتها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في كل كبد حرى أجر  ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وطء الحبالى حتى يضعن  ، وبينما النبي صلى الله عليه وسلم قاعد بالجعرانة ، ومعه ثوب [ ص: 78 ] وقد أظل به معه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي ، عليه جبة متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى برجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب ؟ وإذا النبي صلى الله عليه وسلم مخمر الوجه يغط ، فلما سري عنه قال : أين الذي سألني عن العمرة آنفا ؟ فأتي به ، فقال : أما الطيب فاغسله عنك ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك  ، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بالجعرانة بين المسلمين فأصاب كل رجل أربعا من الإبل ، وأربعين شاة ، ومن كان فارسا أخذ سهمه وسهمي فرسه  ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرة من سنام بعيره ، ثم قال : أيها الناس ، إني والله ما لي من فيئكم ، ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط ، فإن [ ص: 79 ] الغلول يكون على أهله نارا وشنارا يوم القيامة ، فجاءه رجل من الأنصار بكبة خيوط من شعر ، قال : يا رسول الله ، أخذت هذه الكبة أخيط بها بردعة بعير لي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما نصيبي منها فلك ، فقال : أما إذا بلغت هذه فلا حاجة لي فيها   .

التالي السابق


الخدمات العلمية