ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال فجمعت بالجعرانة ; وبعث في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري ، فأدرك الناس بعض من انهزم ، فساروا يرمون كل من لقوه ، ورمى بسهم فقتل ، وأخذ برايته بعده أبا عامر أبو موسى فقاتلهم ففتح له وهزمهم الله .
[ ص: 75 ] ثم الطائف ، وفيها مالك بن عوف ، وقد عسكر جماعة من المشركين ، وعلى مقدمة خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة ، فقال : من قتل هذه ؟ قال : خالد بن الوليد ، فقال لرجل : أدرك خالد بن الوليد ، خالدا ، وقل له : يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوا امرأة ، ولا ولدا ، ولا عسيفا .
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف نزل قريبا ، فلم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطا فضرب [ ص: 76 ] معسكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسجده الذي بالطائف اليوم ، وحاصرهم بضع عشرة ليلة ، وأمر بقطع أعنابهم ، وقاد رجلا من هذيل من بني ليث ، وهو أول دم أقيد في الإسلام ، ثم نصب المنجنيق على حصنهم حتى فتحه الله عليه ، وكان في أيامه يقصر الصلاة .
وقد فاختة بنت عمرو بن عائذ ، يقال له : ماتع ، مخنث ، يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول لخالد بن الوليد : يا خالد ، إن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ، فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان ; فإنها تقبل بأربع ، وتدبر بثمان ، فقال [ ص: 77 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا يفطن لما سمع به ، ثم قال لنسائه : لا يدخلن عليكن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته ، فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى الجعرانة ، فقال له سراقة بن جعشم المدلجي : يا رسول الله ، ترد الضالة حوضي ، فهل فيه أجر إن أنا سقيتها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في كل كبد حرى أجر ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وطء الحبالى حتى يضعن ، بالجعرانة ، ومعه ثوب [ ص: 78 ] وقد أظل به معه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي ، عليه جبة متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى برجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب ؟ وإذا النبي صلى الله عليه وسلم مخمر الوجه يغط ، فلما سري عنه قال : أين الذي سألني عن العمرة آنفا ؟ فأتي به ، فقال : أما الطيب فاغسله عنك ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك وبينما النبي صلى الله عليه وسلم قاعد ، بالجعرانة بين المسلمين فأصاب كل رجل أربعا من الإبل ، وأربعين شاة ، ومن كان فارسا أخذ سهمه وسهمي فرسه ، ثم وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرة من سنام بعيره ، ثم قال : أيها الناس ، إني والله ما لي من فيئكم ، ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط ، فإن [ ص: 79 ] الغلول يكون على أهله نارا وشنارا يوم القيامة ، فجاءه رجل من الأنصار بكبة خيوط من شعر ، قال : يا رسول الله ، أخذت هذه الكبة أخيط بها بردعة بعير لي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما نصيبي منها فلك ، فقال : أما إذا بلغت هذه فلا حاجة لي فيها .