الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( حقا على المتقين ) فزيادة في توكيد وجوبه ، فقوله : ( حقا ) مصدر مؤكد ، أي حق ذلك حقا ، فإن قيل : ظاهر هذا الكلام يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم .

                                                                                                                                                                                                                                            فالجواب من وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن المراد بقوله : ( حقا على المتقين ) أنه لازم لمن آثر التقوى ، وتحراه وجعله طريقة له ومذهبا فيدخل الكل فيه .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين ، والإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين ، وغيرهم ، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف ؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الآية .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن الناس اختلفوا في هذه الوصية ، منهم من قال : كانت واجبة ، ومنهم من قال : كانت ندبا ، واحتج الأولون بقوله : ( كتب ) وبقوله : ( عليكم ) وكلا اللفظين ينبئ عن الوجوب ، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله : ( حقا على المتقين ) وهؤلاء اختلفوا ؛ منهم من قال : هذه الآية صارت منسوخة ، ومنهم من قال : إنها ما صارت منسوخة ، وهذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني ، وتقرير قوله من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث ومعناها : كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) [ النساء : 11 ] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصبائهم .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى ، والوصية عطية ممن حضره الموت ، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية وذلك ؛ لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين ، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثا داخلا تحت هذه الآية ، وذلك لأن من الوالدين من يرث ، ومنهم من لا يرث ، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل ، ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة ، ومنهم من يسقط في حال ويثبت في حال ، إذا كان في الواقعة من هو أولى بالميراث منهم ، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم ، فكل من كان من هؤلاء وارثا لم يجز الوصية له ، ومن لم يكن وارثا جازت الوصية له لأجل صلة الرحم ، فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) [ النساء : 1 ] وبقوله : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ) [ النحل : 90 ] فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية