الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                      كشاف القناع عن متن الإقناع

                                                                                                                      البهوتي - منصور بن يونس البهوتي

                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                      ( فصل في نقض العهد ) وما يتعلق به ( من نقضه ) أي : العهد ( بمخالفته شيئا مما صولحوا عليه ) مما ينتقض العهد به على ما يأتي تفصيله ( حل ماله ودمه ) لما في كتاب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم " وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان [ ص: 143 ] عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق " وأمره عمر أن يقرهم على ذلك ( ولا يقف نقضه ) أي العهد ( على حكم الإمام ) بنقضه ، حيث أتى ما ينقضه لمفهوم ما سبق .

                                                                                                                      ( فإذا امتنع ) أحدهم ( من بذل الجزية أو ) من ( التزام أحكام ملة الإسلام ، بأن يمتنع من جري أحكامنا عليه ، ولو لم يحكم بها عليه حاكمنا ) خلافا لما في المغني والشرح انتقض عهده ; لأن الله تعالى أمرنا بقتالهم حتى يعطوا الجزية ، ويلتزموا أحكام الملة الإسلامية ; لأنها نسخت كل حكم يخالفها فلا يجوز بقاء العهد مع الامتناع من ذلك ( أو أبى الصغار ، أو قاتل المسلمين منفردا ، أو مع أهل الحرب أو لحق بدار حرب مقيما بها انتقض عهده ) ; لأنه صار حربا لنا بدخوله في جملة أهل الحرب .

                                                                                                                      ( ولو لم يشترط عليهم ) أنهم إذا فعلوا شيئا من ذلك انتقض عهدهم ; لأن ذلك هو مقتضى العقد ( وكذا لو تعدى الذمي على مسلم ولو عبدا بقتل عمدا ) قيده به أبو الخطاب في خلافه الصغير ( أو فتنه عن دينه أو تعاون على المسلمين بدلالة ، مثل مكاتبة المشركين ومراسلتهم بأخبارهم ) أي المسلمين ( أو زنى بمسلمة ولا يعتبر فيه ) أي : الزنا من حيث نقض العهد ( أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره قاله الشيخ ) .

                                                                                                                      قال في المبدع : وفيه شيء ( أو أصابها ) أي : المسلمة ( باسم نكاح ) وقياس الزنا اللواط بالمسلم على ما ذكره السراج البلقيني الشافعي ( أو ) تعدى ( بقطع طريق أو تجسيس للكفار ، أو إيواء جاسوسهم ) وهو عين الكفار ( أو ذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء ونحوه ) لما روي عن عمر أنه رفع إليه ذمي أراد استكراه امرأة على الزنا فقال : ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب في بيت المقدس وقيل لابن عمر " إن راهبا يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لو سمعته لقتلته ، إنا لم نعط الأمان على هذا " ولأن في ذلك ضررا على المسلمين أشبه الامتناع من الصغار ( فإن سمع المؤذن يؤذن ، فقال له : كذبت قال ) الإمام ( أحمد يقتل ) و ( لا ) ينتقض عهده ( بقذف المسلم وإيذائه بسحر في تصرفه ) كإبطال بعض أعضائه ; لأن ضرره لا يعم المسلمين [ ص: 144 ] أشبه ما لو لطمه ، بخلاف ما سبق ، فإن فيه غضاضة على المسلمين ، خصوصا بسب الله تعالى ، ورسوله ودينه .

                                                                                                                      ( ولا ينتقض بنقض عهده عهد نسائه وأولاده الصغار الموجودين ، لحقوا بدار الحرب أو لا ) ; لأن النقض وجد منه دونهم ، فاختص حكمه به ( ولو لم ينكروا ) عليه ( النقض ) وأما من حملت به أمه وولدته بعد النقض فإنه يسترق ويسبى ، لعدم ثبوت الأمان له وإن نقض بعضهم دون بعض اختص حكم النقض بالناقض ولو سكت غيره وإن لم ينقضوا لكن خاف منهم النقض لم يجز أن ينبذ إليهم عهدهم ; لأن عقد الذمة لحقهم بدليل أن الإمام يلزمه إجابتهم إليه بخلاف عقد الأمان والهدنة فإنه لمصلحة المسلمين .

                                                                                                                      ( وإن أظهر ) الذمي ( منكرا أو رفع صوته بكتابه ، أو ركب الخيل ونحوه ) مما تقدم أنهم يمنعون منه ( لم ينقض عهده ) بذلك ; لأن العقد لا يقتضيه ولا ضرر على المسلمين فيه ( ويؤدب ) لارتكابه المحرم .

                                                                                                                      ( وحيث انتقض ) عهده ( خير الإمام فيه كالأسير الحربي على ما تقدم ) لفعل عمر ولأنه كافر لا أمان له أشبه الأسير ، وكما لو دخل متلصصا ( وماله فيء ) ; لأن المال لا حرمة له في نفسه ، إنما هو تابع لمالكه حقيقة ، وقد انتقض عهد المالك في نفسه فكذا في ماله .

                                                                                                                      وقال أبو بكر يكون لورثته وهو مقتضى ما تقدم في الأمان وسبق ما فيه ( ويحرم قتله لأجل نقضه العهد إذا أسلم ولو لسبه النبي صلى الله عليه وسلم ) لعموم قوله تعالى { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } وقوله صلى الله عليه وسلم { الإسلام يجب ما قبله } ويحرم أيضا رقه بعد إسلامه ، لا إن كان رق قبل ( ويستوفى منه ما يقتضيه القتل ) إذا أسلم وقد قتل : من قصاص ، أو دية ; لأنه حق آدمي .

                                                                                                                      ولا يسقط بإسلامه كسائر حقوقه ( وقيل يقتل سابه ) صلى الله عليه وسلم ( بكل حال ) وإن أسلم ( اختاره جمع ) منهم ابن أبي موسى وابن البناء والسامري .

                                                                                                                      ( قال الشيخ وهو الصحيح من المذهب ) قال في المبدع : ونص عليه أحمد ; لأنه قذف لميت فلا يسقط بالتوبة .

                                                                                                                      ( وقال إن سبه صلى الله عليه وسلم حربي ثم تاب بإسلامه ، قبلت توبته إجماعا ) للآية والحديث السابقين ( وقال : من تولى منهم ) أي : من أهل الذمة ( ديوان المسلمين انتقض عهده وتقدم ) في باب ما يلزم الإمام والجيش .

                                                                                                                      ( وقال إن جهر بين المسلمين بأن المسيح هو الله ) تعالى عما يقولون [ ص: 145 ] علوا كبيرا ( عوقب على ذلك إما بقتل أو بما دونه ) أي لإتيانه بهتانا عظيما و ( لا ) يعاقب بذلك ( إن قاله سرا في نفسه أو قال ) ذمي : ( هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب إن أراد طائفة معينة من المسلمين عوقب عقوبة تزجره وأمثاله ) عن أن يعود لذلك القول الشنيع .

                                                                                                                      ( وإن ظهر منه قصد العموم انتقض عهده ووجب قتله ) لما فيه من الغضاضة على المسلمين ومن جاءنا بأمان ثم نقض العهد ، وقد حصل له ذرية فكذمي ، وتقدم وتخرج نصرانية لشراء الزنار ولا يشتري مسلم لها ; لأنه من علامات الكفر ، ويأتي في عشرة النساء ولا يأذن المسلم لزوجته النصرانية أو أمته كذلك أن تخرج إلى عيد أو تذهب إلى بيعة وله أن يمنعها ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                      الخدمات العلمية