الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 292 ] القول في قوله تعالى: إن المسلمين والمسلمات إلى آخر السورة [الآيات: 35-73]

                                                                                                                                                                                                                                      إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [ ص: 293 ] يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا [ ص: 294 ] والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما

                                                                                                                                                                                                                                      الأحكام والنسخ:

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 295 ] هذه مخصصة لقوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228]، ولقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم الآية، [الطلاق: 4]، أخرجت من الآيتين غير المدخول بها، وهاتان الآيتان - أعني: هذه والتي في (الطلاق) - مبينتان للتي في (البقرة) ؛ إذ ليس في (البقرة) بيان من ذكر فيهما.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن الآية:

                                                                                                                                                                                                                                      جميع ما هو مذكور في هذه الآية عموم للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، سوى قوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} ؛ فهو خصوص له صلى الله عليه وسلم بإجماع العلماء، سوى شيء جاء عن أصحاب الرأي في إجازة ذلك إذا كان بشهود ومهر يلزمه نفسه لها إن دخل بها، أو مات قبل أن يدخل بها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم تكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له بغير صداق؛ والمعنى: إن وقع ذلك؛ فهو حلال لك يا محمد، ويقوي هذا القول وقوع {إن} مكسورة.

                                                                                                                                                                                                                                      ومن الدليل على خصوص ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام: إعادة ذكره في قوله: إن وهبت نفسها للنبي ، ولم يقل: (لك) ؛ ليكون زيادة في بيان الخصوص له، ثم أوضح ذلك بأن قال: خالصة لك من دون المؤمنين ؛ يعني: الواهبة نفسها دون من ذكر معها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى: قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم : قيل: المراد بذلك: نكاح أربع نسوة لا يتجاوز إلى أكثر منهن، والولي، والصداق، [ ص: 296 ] والشهود، على اختلاف بين العلماء في الشهود؛ أجاز بعضهم عقد النكاح بغير شهود إذا أعلن، وهو مذهب مالك وغيره، ولم يجزه كثير من العلماء، وهو مذهب الشافعي وغيره.

                                                                                                                                                                                                                                      وذهب بعض أهل النظر: إلى أن الرجم - الذي روي: أنه كان يقرأ في (سورة الأحزاب) - داخل في هذه الآية في قوله: قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء : هذا أيضا خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                                                                      [الحسن: المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان] إذا خطب امرأة؛ لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يتركها، أو يتزوجها؛فالمعنى: اترك نكاح من شئت، وانكح من شئت.

                                                                                                                                                                                                                                      وذهب ابن زيد إلى أن المعنى: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتخيير نسائه، ثم أباح له أن يعتزل من شاء من اللاتي اخترنه، ولا يقسم لها، ويقسم لمن شاء، فخيرهن في ذلك أيضا، فرضين به إلا امرأة بدوية ذهبت، قال: ومن ابتغى ممن عزل؛ فله أن يرجع، ويقسم لها.

                                                                                                                                                                                                                                      قتادة: أطلق له أن يقسم كيف شاء، فلم يقسم إلا بالقسط.

                                                                                                                                                                                                                                      ابن عباس: المعنى: من شئت خليت سبيلها [منهن، ومن شئت أمسكت، وعنه أيضا: المعنى: من مات من نسائك، أو خليت سبيلها]؛ فلا إثم عليك [ ص: 297 ] في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك، ولا يحل لك أن تزيد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئا.

                                                                                                                                                                                                                                      وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: هذا في الواهبات أنفسهن.

                                                                                                                                                                                                                                      مجاهد: أذن له أن يعتزلهن بغير طلاق.

                                                                                                                                                                                                                                      أبو رزين: المرجآت خمس: ميمونة، وسودة، وصفية، وجويرية، وأم حبيبة، واللائي كان يساوي بينهن في القسم أربع: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن : {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من الإباحة؛ والمعنى: ذلك أقرب إلى أن يسكن، ولا يغرن، ويرضين بما فعلته بهن من ضم أو عزل؛ إذ ذلك من حكم الله فيهن.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية