الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور قال صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة .

فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجي ليعود إليه .

التالي السابق


(وأما دوام القيام) واعتداله فيه، (فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله تعالى على نعت) أي: وصف (واحد من الحضور) ، ولا يتم الحضور كذلك إلا بعد الغيبة عن سواه فيكون معه في هذا المقام على غاية مرتبة العدل بحيث لا يميل ولا يلتفت. (قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله يقبل على المصلي ما لم يلتفت) ، قال العراقي: رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصحح إسناده من حديث أبي ذر اهـ .

قلت: وبنحوه ما أخرجه الطبراني في الكبير عن يوسف بن عبد الله بن سلام بسند منقطع: لا صلاة لملتفت. قال ابن الهمام في فتح القدير: حد الالتفات المكروه أن يلوي عنقه حتى يخرج عن مواجهة القبلة. اهـ .

قال المناوي: أما الالتفات بصدره فمبطل الصلاة، وأما بوجهه فقط لحاجة، فجائز بلا كراهة، لوروده من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأخرج أحمد والطبراني في الكبير، والبيهقي في السنن من حديث معاذ بن أنس أن الضاحك في الصلاة والملتفت والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة، ومذهب الشافعي أن الثلاثة مكروهة تنزيها، ولا تبطل بها الصلاة ما لم يظهر من الضحك حرفان أو حرف مفهم، أو يتوالى مما بعده ثلاثة أفعال، وما لم يتحول صدره عن القبلة، وإلا بطلت صلاته، وقيل: كان الصحابة يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة وينظرون يمينا وشمالا، فلما نزلت: الذين هم في صلاتهم خاشعون ، جعلوا وجوههم حيث يسجدون، وما رئي بعد ذلك أحد منهم ينظر إلا إلى الأرض، وروى أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن العبد إذا قام إلى الصلاة، فإنه بين يدي الرحمن، فإذا التفت قال له الرب: إلى من تلتفت؟ إلى من هو خير لك مني، ابن آدم أقبل إلي، فأنا خير لك ممن تلتفت إليه".

وروت أم رومان قالت: رآني أبو بكر وأنا أتميل في الصلاة فزجرني زجرا كدت أن أنصرف من صلاتي، ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إذا قام أحدكم في الصلاة فليسكن أطرافه لا يتميل تميل اليهود، فإن سكون الأطراف من تمام الصلاة، (وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات) غير جهة القبلة، (فكذلك تجب حراسة السر) ، أي: القلب، والمراد به داخل القلب (عن الالتفات إلى غير الصلاة) أي: أفعالها (فإذا التفت إلى غيره) هكذا في النسخ، وكأن الضمير راجع إلى الله تعالى، (فذكره باطلاع الله تعالى عليك) ومراقبته لك (وبقبح التهاون بالمناجى) هو الله تعالى (عند غفلة المناجي) هو المصلي، وقوله: (ليعود إليها) جواب قوله: فذكره، وضمير إليها راجع إلى الصلاة، وفي بعض النسخ إليه .




الخدمات العلمية