الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
واعلم أن النوافل باعتبار الإضافة إلى متعلقاتها تنقسم إلى ما يتعلق بأسباب كالكسوف والاستسقاء وإلى ما يتعلق بأوقات والمتعلق بالأوقات ينقسم إلى ما يتكرر بتكرر اليوم والليلة ، أو بتكرر الأسبوع ، أو بتكرر السنة ، فالجملة أربعة أقسام .

القسم الأول .

ما يتكرر بتكرر الأيام والليالي وهي ثمانية ؛ خمسة هي رواتب الصلوات الخمس وثلاثة وراءها ، وهي صلاة الضحى وإحياء ما بين العشاءين والتهجد .

الأولى راتبة الصبح وهي ركعتان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " .

[ ص: 331 ]

التالي السابق


( واعلم أن النوافل باعتبار الإضافة إلى متعلقاتها تنقسم) قسمة أخرى ( إلى ما يتعلق بأسباب) عارضة ( كالكسوف والاستسقاء وإلى ما يتعلق بأوقات) مخصوصة، وهذا القسم الأخير الذي هو ( المتعلق بالأوقات ينقسم أيضا إلى ما يتكرر بتكرر اليوم والليلة، أو بتكرر الأسبوع، أو بتكرر السنة، فالجملة أربعة أقسام) تذكر في أربعة فصول موسومة بالأقسام ( القسم الأول ما يتكرر بتكرر الأيام والليالي وهي ثمانية؛ خمسة منها هي رواتب الصلوات الخمس) هي السنن التابعة لها، ( وثلاثة) منها ( وراءها، وهي صلاة الضحى وإحياء ما بين العشاءين) المغرب والعشاء، ( والتهجد) وذلك عند القيام بعد النوم ( من الليل) .

قال الولي العراقي في شرح التقريب: قال العلماء: الحكمة في مشروعية الرواتب قبل الفرائض وبعدها تكميل الفرائض بها إن عرض نقص كما ثبت في سنن أبي داود وغيره عن أبي هريرة ، رفعه: أول ما يحاسب به العبد من عمله صلاته .. الحديث، وفيه: فيكمل بها ما نقص من الفريضة، قال: وفي النوافل التي قبل الفريضة معنى آخر، وهو رياضة النفس بالدخول في النافلة وتصفيتها عما بها من الشواغل الدنيوية ليتفرغ قلبه للفريضة أكمل فراغ ويحصل له النشاط. ا هـ .

قلت: وهذا المعنى قد قدمناه في أوائل هيئة الصلاة نقلا عن عوارف المعارف للسهروردي ( الأول راتبة الصبح وهي ركعتان) باتفاق أهل العلم، وقد وردت في فضلهما أخبار؛ من ذلك ( قال صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها") أي: نعيم ثوابهما خير من كل ما يتنعم به في الدنيا، فالمفاضلة راجعة لذات النعيم، لا إلى نفس ركعتي الفجر، فلا يعارضه خبر "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها".

وقال الطيبي: إن حمل الدنيا على أعراضها وزهرتها فالخير أما مجرى على زعم من يرى فيها خيرا، أو يكون من باب أي الفريقين خير مقاما ، وإن حمل على الإنفاق في سبيل الله فتكون هاتان الركعتان أكثر ثوابا منها، هذا ما يتعلق بمعنى الحديث. قال العراقي: أخرجه مسلم من حديث عائشة ا هـ .

قلت: وأخرجه كذلك الترمذي والنسائي، ولم يخرجه البخاري واستدركه الحاكم فوهم، وقال الطحاوي: حدثنا فهد، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فساقه، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة، عن شعبة، عن قتادة.. مثله، إلا أنه لم يقل: "وما فيها" .



[ ص: 331 ] ( فصل)

وقد وردت أخبار في فضل هاتين الركعتين غير الذي أورده المصنف؛ فمنها ما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ، عن أبي هريرة : "لا تدع ركعتي الفجر ولو طرقتك الخيل" رواه عن حفص بن غياث، عن محمد بن زيد، عن ابن عبد ربه، قال: سمعت أبا هريرة، فساقه، وأخرجه الطحاوي من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن محمد بن زيد، إلا أنه قال عن ابن سبلان، عن أبي هريرة بلفظ "لا تتركوا ركعتي الفجر، ولو طردتكم الخيل" ولفظ أبي بكر بن أبي شيبة أخرجه أحمد، وأبو داود.

ومنها ما أخرجه الطبراني في الكبير، والمحاملي، والخطيب، عن ابن عمر : "لا تدعوا الركعتين اللتين قبل الفجر؛ فإن فيهما الرغائب". وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ، عن هشيم عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر أنه قال: يا حران، لا تدع ركعتين قبل الفجر؛ فإن فيهما الرغائب. هكذا رواه ولم يرفعه .

وأخرج أيضا عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال: بلغني أن عائشة كانت تقول: حافظوا على ركعتي الفجر؛ فإن فيهما الخير والرغائب.

ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن هشيم بن أبي بشر، عن سعيد بن جبير ، قال: قال عمر في الركعتين قبل الفجر: لهما أحب إلي من حمر النعم، ومنهما ما أخرجه أيضا والشيخان والطحاوي من حديث عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر. ولفظ الصحيحين: لم يكن على شيء من النوافل أشد.. الحديث. ولفظ ابن أبي شيبة : ما رأيته يسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ركعتي الفجر، ولا إلى غنيمة. وكلهم أخرجوه من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة. ومنها ما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة أيضا عن وكيع، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عبد الرحمن قال: إذا صلى ركعتي الفجر ثم مات فكأنما صلى الفجر. وعن وكيع بن مسعر ، عن حماد، عن إبراهيم قال: إذا صلاهما أو أحدهما، ثم مات أجزأ عن ركعتي الفجر .

ومنها ما أخرجه الطبراني من حديث عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويدع، ولكن لم أره ترك الركعتين قبل صلاة الفجر في سفر ولا حضر ولا صحة ولا سقم.




الخدمات العلمية