الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
أو في قرية من سواد البلد يبلغها نداء البلد من طرف بابها والأصوات ساكنة والمؤذن رفيع الصوت لقوله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع .

التالي السابق


ثم قال المصنف : (أو في قرية من سواد البلد يبلغها نداء البلد من طرف يليها) ، وبه قال مالك ، وأحمد ، وقال أبو حنيفة : لا تجب عليهم ، وإن كان النداء يبلغهم . هكذا رواه الفقيه أبو جعفر الهندواني ، عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وهو اختيار شمس

[ ص: 233 ] الأئمة الحلواني
، ونقله قاضيخان ، وفي التتارخانية في ظاهر روايات أصحابنا لا تجب الجمعة على أهل السواد ، سواء كان السواد قريبا من المصر ، أو بعيدا ، وفي التجنيس ، والمزيد لا تجب الجمعة على أهل القرى ، وإن كانوا قريبا من المصر ؛ لأن الجمعة إنما تجب على أهل الأمصار ، ويروى عن أبي يوسف أنها تجب على من كان داخل الحد الذي لو فارقه يثبت له حكم الفطر ، ومن وصل إليه يثبت له حكم الإقامة ، وهو أصح ما قيل فيه ؛ لأن الجمعة على أهل المصر بالنص ، وأهله من كان في هذا الحد ، ثم اختلفوا في حد السواد الذي هو خارج المصر ، فأطلقه الشافعي ، وحدده أصحابه بما ذكره المصنف ، وهو أن يبلغها نداء البلد من طرف يليها (والأصوات ساكتة) ؛ أي : لا لغط فيها ، والرياح راكدة (والمؤذن صيت) ؛ أي : رفيع الصوت عاليه يقف على طرف البلد من الجانب الذي يلي تلك القرية ، ويؤذن على عادته ، فهذا حد ، وحده مالك ، وأحمد بفرسخ ، وحده أبو حنيفة بثلث فرسخ ، على أن صاحب البدائع من أصحابنا قد ذكر قولا في المذهب ، وصححه أنه إن أمكنه أن يحضر الجمعة ، ويبيت بأهله من غير تكلف تجب عليه ، ولكن هذا مخالف للنصوص المشهورة المرجحة في المذهب عن الإمام ، وصاحبيه ، واختيار جمهور المحققين ، وأنه لا عبرة ببلوغ النداء ، ولا بالغلوة ، ولا بالأميال ، فينبغي أن يكون قول صاحب البدائع شاذا ، واستدل المصنف على إيجابها على أهل السواد الذين يبلغهم النداء بالآية ، فقال : (لقوله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ) إلى ذكر الله تعالى ، وهو استدلال حسن مفرع على سماع الصوت من المنادي بالشروط المذكورة ، وشرط فيمن يصغي إليه أن لا يكون أصم ، وأن لا يجاوز سمعه حد العادة .

قال الرافعي : وفي وجه المعتبر أن يقف المؤذن في وسط البلد ، ووجه يقف على موضع عال كمنارة ، وسور ؛ وجهان قال : الأكثرون لا يعتبر ، وقال القاضي أبو الطيب : سمعت شيوخنا يقولون لا يعتبر إلا بطبرستان ؛ لأنها بين أشجار ، وغياض تمنع بلوغ الصوت . أما إذا كانت قرية على قلة جبل يسمع أهلها النداء ؛ لانخفاضها بحيث لو كانت على استواء لسمعوا ، فوجهان أصحهما ، وبه قال القاضي أبو الطيب : لا تجب الجمعة في الصورة الأولى ، وتجب في الصورة الثانية اعتبارا بتقدير الاستواء ، والثاني ، وبه قال الشيخ أبو حامد : عكسه اعتبارا بنفس السماع ، وأما إذا لم يبلغ النداء أهل القرية ، فلا تجب عليهم .




الخدمات العلمية